من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

كلمة السر

محمد الشريف
كلمة السر


(وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ) (93)البقرة

كلمة السر في (سمعنا وعصينا وأشربوا)

سمعنا أي أن الرسالة قد وصلتنا كاملة لا لبس فيها... والدليل على ذلك في...عصينا، لأن العصيان لا يكون إلا عن إدراكٍ كاملِ بالأمرِ الذي جاء، وإلا فلا يُعدُّ عصيانا، ولكان الجواب سمعنا ونسينا أو غفلنا أو جهلنا.

ولكن ما دلالة(وأُشربوا في قلوبهم العجل)

يا الله! هل تتشرب خلايا القلب بالعجل، أي بحب العجل؟

إنه الإعجازُ البلاغي لكلام الرب العظيم، وفيه لفتةٌ تلاطفُ القلوبَ وتربتُ عليها، ولكن كيف سيطر حبُّ العجلِ على القلوبَ وملك زمامها، فلم يعد هناك منفذٌ أو ثقبٌ لنور(وأشربوا) وهل الحب يُشرب؟ وهل خلايا القلب تمتص العواطف وتتشربها كما يفعل الإسفنج، فإذا امتلأت بعاطفة معينة فلا تستطيع أن تشرب معها أية عاطفة أخرى.

   لقد رأوا معجزات موسى عليه السلام، وكيف نصره الله على فرعون بالعصا وبالمعجزات الأخرى، وعندما كانوا مطاردين رأوا معجزة كُبرى وهي انشقاق البحر، بل عبروا من خلالها، ولكن قلوبهم لم ترَ شيئا، فانكشف نفاقُهم في أول اختبارٍ حقيقي حين طلبوا من موسى عليه السلام أن يجعل لهم صنمًا يعبدونه، ولمَّا حذرهم موسى عليه السلام ارتدعوا، فلمّا ذهب لميقات ربه عادوا فاستجابوا للسامري فعبدوا العجل، يا للسقوط المدوي السحيق!

   ما هذا التردي ... عجلٌ بعد كل هذه الآيات، كيف حدث هذا السقوط؟ أعتقد أنَّ السقوط المدويَّ لا يأتي فجأة، فالقلوب لا تعطبُ إلا بعد زمنٍ طويلٍ من الزلل. 

   إن معاقرة الذنوب تبدأ بأن تطرقها خاطرة، يتبعُها مخالطة ثم مراودة ثم قبول يتبعه ألفة وعادة، ثم حب فإدمانٌ فمعاقرة ثم ولهٌ (فأشربوا) لقد كان خوار العجل كنداء النداهة يطرق الأفئدة التي هُيئت لاستقباله، فصارت مأوى للعجل، فكان السقوط فالطمس والحرمان؛ لأن الله عزيز غني عن العالمين، والهداية أعظم نعمه سبحانه وتعالى وأجلّها، فلا يهبها إلا لقلبٍ نقيٍّ، إنّ الكأس الممتلئ لا يقبلُ جديدا، وهذا قانون فيزيائي كوني، لقد تشرَّبت قلوبهم وامتلأت عصيانا ونفاقا، وأنّى لها بعد هذا الامتلاءِ والتشبّعِ أن تقبلَ النور ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وهل يقبل الكأسُ الممتلئ بالمزيد إلا إذا تم تفريغُه، إن القلوب هي مملكة الرب العظيم، والله يغار على مملكته فإمَّا هو أو غيره، ولذلك كان أول طريق السائرين تنقية ثم تحلية. 

   إن القانون الإلهي لا يسري على بني إسرائيل وحدهم، ولكن يسري على البشرية جمعاء، فمن جاءه الهدى وعرفه، ثم أنكره بإرادته فذلك محروم محجوب تشرَّب قلبُه بالعجل، والعجولُ كثيرة لا حصر لها، ولكل إنسان عجله الخاص، وكُلُّها من مادةٍ واحدة وهي الرغبة، وأيُّ رغبةٍ تحتاج إلى مفتاح، لذلك كان العجل الأب ذهبًا؛ لأنه يفتح كلَّ أبواب الدنيا لكنه يعجز عن فتح القلوب، الذهب هو الكوّة التي تطلُّ منها القلوبُ على الرغباتِ كالشهوةِ والجاه وحبِّ الظهورِ والسلطةِ... وكل هذه الرغبات التي لا تنتهي ما هي إلا سلالةٌ من العجلِ الأول، وما أكثرَ العجول! ولكنَّ أخطرَها عجلُ الأنا، ولو تتبعنا نسبَها لاتصلتْ بإبليس الذي كان فيلسوفا وسيدا في الملكوت، ولم يهلكه إلا إعجابُه بفكره ومنطقه وأصله ومنبته.

   هل من خلاص، هل من طوقِ نجاة؟ 

لا خلاصَ ولا نجاةَ إلا بالتنقية أي إعادةِ ضبطِ المصنعِ لميزانِ النفسِ كما ذكرنا سابقًا، وذلك بإجبارها على العودةِ إلى الفطرة السليمةِ، ولا يتم هذا إلا بالاستغناء والتخلص من الرغبات الآسرة، أي نسف العجول التي تشربت بها القلوب كما نسف موسى عليه السلام العجل الأب، ولا يتم ذلك إلا بالتنقية، والتنقية تحتاج إلى مجاهدة ومجالدة ومثابرة ومراقبة وهذا طريق طويل، فمع بني إسرائيل كان العلاج يتناسب مع حجم الانحراف، لماذا.....؟ لأن الانحراف كان جمعيًّا عاما طال معظم المجتمع، فكان العلاج تيها لأربعين سنة للمجتمع كله صالحه وطالحه، يا الله ما أعدلك وما أحكمك!

   لقد ألقى سيدنا موسى البذرة واجتهد في إعادة القوم إلى الله بتطهيرهم وتربيتهم، فظل أربعين عاما، ولكنه لم يتذوق طعم الثمرة، فقد توفاه الله قبل أن يثمر غرسه، وصار الأمر لفتاه يوشع بن نون عليه السلام، فالنجاح ليس بأن ترى الثمرة ولكن بأن تجتهد في تهيئة الأرض بالتنقية والتحلية، وبعد ذلك تفوض الأمر لله وحده، وتثق في وعد الله وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، إن تعجّلّ قطف الثمار كارثة ومهلكة عظيمة وانتكاسة خطيرة، قد تصل إلى اليأس والقنوط. 

   إن للرجوع إلى الله طريقا واحدا، ولكل رجوع حالته الخاصة التي تتناسب مع حجم الانحراف، فهناك قلب يتنقى بأن يُغسل مرة واحدة، وهناك قلب يحتاج إلى التطهر آلاف المرات، ولكن لا بديل عن السير في هذا الطريق؛ لأن العاقبة آلام أبدية وظلمات رهيبة لا تنتهي وعذاب أبدي مقيم. 

   فمن نجح في الرجوع إليه فنقَّى قلبَه من حب رغبته الآثره -أي عجله الخاص- فقد نجح في الاختبار وبعدها تأتي الفتوح تترى، وترفع الحجب، فيفيض النور، فيتشبع القلب بحب الله وطاعته، وهذا هو الطريق المستقيم المليء بالأشواك والابتلاءات، ولكنه طريق الصعود، وكل صعود صعبٌ ويحتاج إلى مكابدة ومجالدة؛ لأن القمة جميلة وعظيمة وبديعة وتستحق، ومن ترك لنفسه الحبل تُصبح كريشة تتلاعب بها الأهواء، فقد اختار السقوط في الهاوية، وكل سقوط سهل، فتُحجبُ مرآة قلبه بستائر الظلمات، فيصير مطموسا منبوذا مكروبا محروما، عاقبته شقاء أبدي.

   إنَّ القضية الكبرى تتلخص في ثلاث كلمات (سمعنا وعصينا وأُشربوا) الآيات تُعرض على القلب فيعرفها، ثم يُنكرها، ثم يحجب ويمنع، ويضرب الله على قلبه الأقفال فلا يرى ولا يسمع ولا يعقل ولو جاءته كل آيات الأولين ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9693
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.