من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

من حدود الجنوب إلى ذكرى الثلاثين من يونيو.. قصة وطن ينتصر

كتب/ الدكتورة مايسة خليل حسن المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية
من حدود الجنوب إلى ذكرى الثلاثين من يونيو.. قصة وطن ينتصر


ثمة مشاهد لا تُقرأ منفردة، ولا تُفهم بمعزل عن سياقها. في كل عام، مع اقتراب ذكرى الثلاثين من يونيو، يعود المصريون إلى تلك اللحظة التي اختاروا فيها أن تكون لهم دولة، لا مجرد كيان على الخريطة. وفي هذا العام، جاءت الذكرى الثالثة عشرة محفوفة بمشهد آخر، موازٍ، لكنه لا يقل أهمية. ففي الجنوب، حيث تمتد الصحراء وتتسع، كان الجيش المصري يكتب فصلاً آخر من قصة الصمود، معلناً عن إنجاز أمني هائل: 40 مليار جنيه من المضبوطات، و99 ألف شخص أوقفتهم الحدود قبل أن يعبروها، و351 طناً من المخدرات لم تصل إلى شوارعنا، وعصابات التنقيب العشوائي عن الذهب التي ظنت أن الصحراء بلا رقيب، ففوجئت بأن الدولة حاضرة حيث لا يتوقعها أحد.


هذان المشهدان، أحدهما في الميادين قبل ثلاثة عشر عاماً، والآخر على الحدود اليوم، لا يمكن فصلهما. ليس لأنهما متزامنان فحسب، بل لأنهما وجهان لعملة واحدة. فما حدث في 2013 كان إنقاذاً للدولة من الداخل، وما يحدث اليوم على الحدود هو تحصين لهذا الإنقاذ من الخارج. دولة تتعافى من جروحها، ثم تنهض لتحمي حدودها وثرواتها وكرامتها.


لكن ثمة سؤال يفرض نفسه، سؤال تطرحه الذكرى وتجيب عنه المضبوطات: ماذا لو لم تنجح الثورة؟ لو تخيلنا للحظة أن الإرادة الشعبية التي خرجت في ذلك الصيف لم تنتصر، وأن المشهد ظل كما كان عليه في صيف 2013، فكيف كانت مصر اليوم؟ هل كان سيكون هناك جيش قادر على حماية حدود تمتد لآلاف الكيلومترات، أم كان الجيش سيظل مشغولاً بحماية نظام ينهار من الداخل؟ هل كانت الحدود الجنوبية ستظل محروسة، أم كانت ستصبح ساحة مفتوحة للعصابات والمهربين، دون أن تجد من يردعهم أو يحمي ثروات البلاد؟ هل كانت مصر ستعلن عن ضبط 40 مليار جنيه، أم كانت ستستجدي الآخرين لحمايتها؟ الواقع يقول إن هذه الدولة التي نراها اليوم، بقوتها واستقرارها، لم تكن لتولد لولا أن المصريين اتخذوا قرارهم المصيري في ذلك اليوم.


لكن الخطر الذي تجنبه المصريون لم يكن مقتصراً على مصر وحدها. تخيل المنطقة العربية كلها في غياب مصر. تخيل سيناء بلا رقيب، وليبيا بلا جار قوي على حدودها الغربية، والخليج بلا عمق استراتيجي على بعد خطوات، وفلسطين بلا صوت عربي مؤثر يدافع عن قضيتها، وأوروبا بلا شريك في ضبط الهجرة ومكافحة الإرهاب. هذا هو السيناريو الذي كانت المنطقة ستواجهه لو انهارت مصر، وهذا هو السيناريو الذي تجنبه العرب بفضل إرادة المصريين. ليس مبالغة القول إن انتصار 30 يونيو كان انتصاراً للمنطقة بأسرها، ولا مبالغة القول إن ما يحققه الجيش اليوم على الحدود هو حماية لهذا الانتصار وتحصين له.


وفي الوقت الذي يحمي فيه الجيش حدود مصر من التهديدات المادية، تخوض الدولة معركة أخرى لا تقل شراسة، معركة الوعي. فجماعة الإخوان، التي انكشفت حقيقتها أمام العالم في 2013، لم تتوقف عن محاولات النيل من الدولة، لكنها غيرت أدواتها. تحولت من مواجهات سياسية إلى حرب إلكترونية، ومن تنظيمات ميدانية إلى حملات شائعات، ومن صراع على السلطة إلى صراع مع الدولة الوطنية ذاتها. اعتمدت على توظيف الأزمات، وأبرزها الحرب في غزة، لترويج روايات مغرضة تهدف إلى تشويه صورة مصر، وإيهام المصريين بأن مؤسساتهم عاجزة، وأن دولتهم غير قادرة على حمايتهم.


لكن هذه الروايات، رغم انتشارها في الفضاء الرقمي، تصطدم بواقع لا يقبل التزييف. فمن فتح معبر رفح وأدخل المساعدات إلى غزة رغم كل الصعوبات؟ من استقبل الجرحى وعالجهم؟ من كان الطرف الوحيد القادر على التحرك في أزمة إقليمية معقدة؟ إنها مصر، الدولة التي أثبتت في الأزمات أنها ليست مجرد دولة، بل مشروع صمود.


الحديث عن الأرقام التي أعلنها الجيش على الحدود الجنوبية ليس مجرد استعراض كمية، بل هو رواية لصراع خفي على ثروات هذا الوطن. 96 قطعة سلاح، و3600 طلقة ذخيرة، و500 عربة تهريب، و20 جهازاً للكشف عن المعادن، و86 طناً من الأحجار المخلوطة بخام الذهب. هذه المضبوطات تحكي قصة دولة لا تنام، دولة تدرك أن الأمن القومي خط أحمر لا يمكن المساس به، وأن الثروات الوطنية ليست مجالاً للنهب أو الفوضى. لو لم تنجح الثورة، لكانت هذه الثروات اليوم نهباً في يد العصابات، ولما كان هناك جيش قادر على استردادها، ولما كانت هناك دولة تستطيع أن تقول لشعبها: هذه أموالكم، وهذه حدودكم، وهذه دولتكم.


في ذكرى 30 يونيو، يبدو المشهد مكتملاً. ما حدث في ذلك اليوم من عام 2013 لم يكن مجرد تغيير في الحكم، بل كان إعادة تأسيس للدولة على أسس جديدة، قوامها الأمن والاستقرار والمؤسسات القوية. واليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً، تثبت مصر أن الإرادة الشعبية التي انتصرت في الميادين هي ذاتها التي تدعم جيشها وهو يحمي الحدود، وهي ذاتها التي تجعل مصر قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9696
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.