من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة جديدة في فيلم قديم: وجوه الأدب في سينما "المازني"

كتبت: د.سميرة أبو طالب
قراءة جديدة في فيلم قديم: وجوه الأدب في سينما

لقطة قريبة من الفيلم تحيل إلى توظيف القصة داخل القصة كتقنية مشتركة بين الأدب والسينما.


 يحتفظ الكاتب " إبراهيم عبد القادر المازني" بصورته لدى المتلقي العربي كأحد أبرز الكتاب الذين ينتمون لمدرسة "الديوان" وأحد مؤسسيها مع كل من الكاتب "محمود عباس العقاد" و" عبد الرحمن شكري"، وكثيرا ما تناولته أقلام النقاد من هذه الزاوية التي تتعلق بانتمائه لتلك المدرسة، وكتاباته الشعرية والأدبية، ولم يُعرف عنه الكتابة للسينما، أو التحاقه بركب الأدباء الذين كتبوا للسينما أو تحولت أعمالهم الأدبية إليها. ويأتي فيلم " نداء الحب" الذي قدمته السينما المصرية عام 1956 من إخراج "إلهامي حسن" وسيناريو وحوار"محمد عبد القادر المازني"، ليكشف النقاب عن تلك العلاقة التي ربطت "إبراهيم عبد القادر المازني" بالسينما؛ إذ جاءت عناوين الفيلم لتشير بوضوح إلى أنه مأخوذ عن قصته، وقد ذكرت بعض المراجع أن قصته تلك كتبت خصيصا للسينما ولم تكن من بين قصصه المنشورة، وهناك البعض الذي يرجح أنه كتب القصة والسيناريو والحوار بالتعاون مع الكاتب والسيناريست "محمد عبد القادر المازني"، غير أن الثابت وما يمكن الوثوق به هو ما حملته عناوين الفيلم، باعتبارها إحدى وسائل النشر التي توثق للفيلم كحالة إبداعية تحتفظ بها الذاكرة السينمائية.

ثلاثة مشاهد متتالية لمحاكاة بصرية هزلية لقصة حب "قيس وليلى"


 وهناك بعض النقاط الإشكالية التي تتعلق بنسبة قصة هذا الفيلم لصاحب مدرسة الديوان، يأتي في مقدمتها، الفارق الزمني بين كتابة القصة، وبين زمن العرض السينمائي؛ إذ من المعروف أن الكاتب "إبراهيم عبد القادر المازني" توفي عام 1949، والفيلم عُرض عام 1956، أي بفارق سبع سنوات بعد رحيله، وهو ما يمكن تفنيده في إطار من تجارب سابقة، باعد الزمن بين توقيت كتابتها ومن ثم نشرها، وبين زمن عرضها سينمائيا، فضلا عن أن كل كاتب له أسلوب يميزه ويطبع كتاباته، أو "روح الكتابة" كما يميزها النقد. هذا عن الأدب المكتوب، فماذا عن الأدب الذي عرف طريقه إلى السينما؟.

مشهد الطبيب الذي تم توظيفه بشكل كوميدي لتجسيد أزمة الشخصية.


 إن رحلة التحولات التي يقطعها النص الأدبي إلى السينما، تفرض عليه نوعا من التخفيض اللغوي، الذي تحل محله لغة أخرى هي لغة السينما، وقد تزيد على شخصياته الأساسية شخصيات أخرى تتجاوب مع سياق عرض الفيلم، أو تسد فراغات لم يملؤها النص الأدبي، وهو ما يمكن تحديده بدقة كبيرة في وجود النص الأدبي والعرض السينمائي معا. أما في حالة "إبراهيم عبد القادر المازني"، فإنه قد كتب القصة مباشرة للسينما، وإذا كان النص غير متاح، فإن خصائص أسلوب "المازني" كاتبا، تحل في سيناريو وحوار "المازني" السيناريست، لتتضافر مع لغة جديدة هي لغة السينما، فتقدم للمتلقي متعة الأدب، وسمو لغة الصورة. 

نداء الحب، ونداءات أخرى

 يرتبط العنوان الرئيسي لفيلم "نداء الحب" بعنوان آخر فرعي تحيل إليه اللقطة القريبة لعنوان قصة منشورة في جريدة "أخبار اليوم" هو نفسه عنوان الفيلم "نداء الحب"، لنجد أن الفيلم يقدم قصة أخرى تولد من رحم القصة الرئيسية أو ما يعرف نقديا بـ" السرد المتداخل"، أو "القصة داخل القصة"؛ فعلى حين تدور القصة الرئيسية حول الدكتور" بديع" الذي يقع في حب تلميذته "نادية"، معتقدا أنها هي من تحادثه تليفونيا، وتتوارى خلف اسم مستعار هو "إلهام" للبوح بمشاعر حبها له، نجد أن القصة الفرعية في هذا الإطار تكشف عن "إلهام" تلك هي قارئة كتاباته التي وقعت في غرامه، بعد أن تماهت تماما مع قصته المنشورة " نداء الحب"، والتي رأت فيها تجسيدا لما تعيشه واقعا من فقدٍ للحركة على أثر صدمة وفاة والدها. إن الفيلم يعتمد تلك التقنية السردية في التداخل القصصي، ليعرض بالتوازي صورا لاختلاط الواقع بالفن في إطار من خيال الأديب، الذي ينظر بعين الأدب إلى قضايا مجتمعه، ليعقد شراكة مع المتلقي تتيح إعادة النظر في تلك القضايا وفق وعي مسؤول؛ فالفتاة التي تقدمها القصة المكتوبة، أو "القصة الفرعية" هي فتاة "كسيحة" ينظر لها المجتمع بعين العطف دون أن يمنحها حقا في الاختيار أو الحياة بشكل طبيعي، والفتاة التي تقدمها القصة الرئيسية، هي فتاة اختارت طريقها في الحب والحياة، ومع ذلك فإن قصة حب الدكتور "بديع" لها عاشت فقط في خياله دون أن تترجم إلى واقع.

مفارقات سينمائية

 وعبر هذه المفارقات التي يرصدها الكاتب في نسيج قصتيه: الرئيسية، والمتفرعة عنها، يحرك الكاتب زاوية الرؤية إلى قصص أخرى تتداخل فيما بينها في النسيج السردي للفيلم؛ فنجد "عبده"، الذي ينتمي بصلة قرابة إلى الدكتور "بديع"، يعاني من تلعثم في النطق يظهره بشكل كاريكاتوري يجعله غير قادر على الانسجام مع محيطه الاجتماعي، فضلا عن أن يكون مقبولا عاطفيا من الفتاة التي يحبها. إن الفيلم في تقديمه لتلك الشخصية، استثمر وجودها بشكل خلاق ليقدم مساحة من الكوميديا، ليست هدفها السخرية من هذه الشخصية، بل ليعيد تقييمها في إطار من تعامل المجتمع معها؛ فنجد عدة مشاهد تتعلق بتلك الشخصية داخل الفيلم تكشف عن مساحة التجاوب معها ونظرة المجتمع إليها: الأول منها حين تمثل شخصية قيس وهو يبث مشاعره لليلى، ولكن كلماته تخرج متقطعة للدرجة التي تنفر منها الحبيبة فتتركه خارجة من حجرتها.


توظيف المغني الشعبي كمدخل ثقافي يعكس الحالة المجتمعية


 إن مجموعة المشاهد التي صاغها الفيلم ليقدم من خلالها صورة الحب التي تجمع "عبده" مع حبيبته " خيرية" هي بمثابة معارضة هزلية لقصة الحب الرئيسية لـ" قيس وليلى"، لم تكتف برفض الحبيبة لهذه الصورة المسخ من التعبير عن الحب، بل وضعت تقييما مجتمعيا لمستوى هذا التعبير حين جعلته في المشهد التالي وبنفس الوضعية يُقبل يد الخادمة " صباح"، ثم جعل الخادمة في مشهد تالٍ تأخذ نفس الوضعية مع الخادم "سيد"، الذي بدوره يستنكر طريقة التعبير تلك ويرفضها!.ولا يكتف الفيلم بتقديم تلك المحاكاة الهزلية في مشاهده لقصة حب " قيس وليلي"، بل يمنع في إظهار محنة هذه الشخصية حين يتحول مشهد لقائها بالطبيب المعالج إلى مشهد كوميدي بحت، نصحه فيه الطبيب بالغناء بدلا من الحديث العادي كي تنضبط مخارج الحروف عنده، ولكنه لم يحتمل صوته فيطرده خارج عيادته.

توظيف التباين الضوئي في التعبير عن انقسام الشخصية بين نقيضين.


 إن الأساس في تقديم مثل هذه المشاهد هو التأكيد على البعد المجتمعي في أزمة الشخصية، فضلا عن السياق الثقافي الذي يُعمق تلك الأزمة، وقد ربط الفيلم هذه الشخصية منذ البداية بفكرة الابتعاد عن القراءة، والرغبة الشرهة في الاستيلاء على الكتب دون إقامة علاقة مباشرة بمضمونها. وليست شخصية "عبده" فقط هي التي ترتبط أزمتها بهذين البعدين، بل إن شخصية "إلهام" الكسيحة التي تقرأ ولكن القراءة تستغرقها دون فعل تقاوم به الوضعية التي عليها، تأتي هي الأخرى لتقدم نموذج الإنسان المأزوم، الذي يحرره الوعي ويخرج به من نطاق النظرة الضيقة، وقد جاء التعبير عن حالة الانقسام التي تعيشها، ليس فقط من خلال الحوار السينمائي، وإنما أيضا عبر توظيف التباين الضوئي كأدة بصرية سردية تكشف حالة الانقسام تلك في المشهد الذي جمعها بالطبيب المعالج، لتشرح له كم تحب الكاتب الذي تتابع كتاباته. 

مستويات التعبير السينمائي عن أدب المازني

 وليس توظيف التباين الضوئي أو ما يعرف تقنيا بـ" الكياروسكور" هو الملمح البارز في التعبير سينمائيا عن خصائص الكتابة الأدبية لدى" إبراهيم عبد القادر المازني"، الذي يقتفي الأبعاد النفسية لشخصياته ويعبر عنها في إطار من لغته، بل إن اهتمامه بالتعبير عن مجتمعه وما يدور فيه والتأكيد على أبرز خصائصه، ظهر جليا في توظيف المغني الشعبي كمدخل للتعبير عن ثقافة هذا المجتمع، فضلا عن ربطها بالسياق الزمني؛ إذ الملابس التي تبدو في مشهد فرح "زين وسنابل" هي انعكاس لهذا الزمن الذي تعبر عنه، وظهور الشارات التي تستخدم كـ" زينة" في الأفراح، وتحمل رمز العلم المصري ذي النجوم الثلاثة والهلال، تأتي هي الأخرى بمثابة التحديد الزمني للحقبة التي تدور فيها الأحداث. 

 وإذا كان التباين الضوئي يعبر عن البعد النفسي للشخصية المفردة داخل الفيلم، فإن توظيف الأغنية الشعبية على لسان المغني الشعبي، يعكس أبعاد نفسية وثقافية للمجتمع الذي تعبر عنه، والذي يقوم الزواج فيه بشكل كبير على "ضربة حظ" وليس على اختيار مدروس؛ فنجد كلمات الأغنية التي كتبها الشاعر"أحمد منصور" ولحنها "عبد الرحمن الفران" تقول: 

   قالولي في الفنجان، الفرحة بعد يومين

   واللي ما كان ع البال، أديني شوفته ياعين

   شوفت اللي كان مكتوب، وكان في علم الغيب

   فرحة ومالية قلوب، حبيب يناجي حبيب

   حقيقة زي خيال، جمعت ما بين اتنين

 إن الأساس الأدبي في صياغة اللغة السينمائية لهذا الفيلم، منحها ثراءً، تعددت وجوهه في هذا الفيلم، وجعل عنوان الفيلم" نداء الحب" بمثابة التفسير لحركة الشخصية في نسيج السرد السينمائي، كما كانت الشخصية مفتاحا لكشف أزمات اجتماعية وثقافية يعانيها المجتمع، ومن هذا التضافر بين الأدبي والسينمائي، يتشكل وعيا حقيقيا لدى المتلقي، وهذا في جملته هو غاية الفن الحقيقي.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9708
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.