من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ماذا تبقّى لنا؟

محمد صلاح زكريا / أخصائى نفسى - كاتب و عضو اتحاد كتاب مصر
ماذا تبقّى لنا؟


سؤال يٌطرح لتتأمله العقول لا يحتاج إلى إجابة بقدر ما يستدعى وقفة للتفكير 

 فالعالم اليوم وكأنه يزداد قسوةً يومًا بعد يوم. فما إن تفتح شاشة هاتفك أو تشاهد نشرة الأخبار حتى تتوالى أمامك مشاهد القتل والحروب والجرائم والكوارث، حتى أصبحت المآسي هي الخبر المعتاد، وأصبح الأمل هو الاستثناء. ولم تعد مشاهد العنف حكرًا على ساحات الحروب أو صفحات الجرائم، بل صارت شيئًا معتادًا بين الناس العاديين في تفاصيل حياتهم اليومية، حتى تراجعت قيم التراحم والتسامح والمحبة بين الناس، وحلّ محلها التوتر والغلظة وسرعة الانفعال.

ولم تعد الأزمات تقتصر على الحروب وسفك الدماء، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية. فبين الحين والآخر نستيقظ على قرارات جديدة برفع الأسعار، فتزداد أعباء الناس، ويصبح البحث عن لقمة العيش معركة لا تقل قسوة عن معارك السلاح وكأن الإنسان لم يعد يطارد أحلامه، بل يطارد فقط القدرة على الاستمرار.

حتى المساحات التي كانت ملاذًا للبهجة لم تسلم من هذا التحول مثل كرة القدم التى كانت وسيلة للمتعة، تجمع الناس على حب المنافسة الشريفة، فإذا بها تتحول عند كثيرين إلى ساحة للتعصب والكراهية والشتائم، بل وإلى منصة للترويج لأفكار وسلوكيات لا تمت إلى القيم والأخلاق بصلة و اختفت الروح الرياضية، وحل محلها الاحتقان والانقسام.

وفي خضم هذا كله، لم يعد الإعلام كما كان يُفترض أن يكون صوتًا للناس أو مرآةً لآمالهم وآلامهم، بل بات في كثير من الأحيان منبرًا لاستفزاز الناس وتأجيج مشاعرهم، بدل أن يخفف عنهم أو يفتح أمامهم نافذةً للأمل. فبدل أن يعبر عن تطلعاتهم، صار يلاحق الإثارة والضجيج، حتى زاد من شعورهم بالاختناق والقلق.

وسط هذا المشهد، يتساءل الإنسان: ماذا تبقّى لنا؟ وأين نجد أسباب الفرح و التفاؤل ؟

رغم كل هذا السواد، فإن الحياة لا تخلو من نقاط مضيئة. فما زال هناك أب يحتضن أبناءه بمحبة، وأم تدعو لأولادها في جوف الليل، وصديقٌ صادق يقف إلى جوارك وقت الشدة، وطبيبٌ يخلص في عمله، ومعلمٌ يزرع قيمة نبيلة في نفوس طلابه، ومتطوعٌ يخفف ألم محتاج، وإنسانٌ يبتسم في وجه غريب دون انتظار مقابل.

وما زالت الطبيعة تمنحنا رسالةً كل صباح؛ فالشمس تشرق بلا ضجيج، والطيور تغرد دون أن تعبأ بكل هذا الصخب، والسماء تظل واسعة تتسع لأحلامنا مهما ضاقت الأرض و هذه ليست مجرد كلمات مثالية أو خيالية بل حقيقة تتجسد فى الحياة مع زيادة الضغوط قد لا نشعر بها .

إن المشكلة ليست في أن الشر قد وُجد، فقد كان موجودًا عبر التاريخ، وإنما في أنه أصبح أكثر حضورًا في شاشاتنا وأحاديثنا، حتى خُيِّل إلينا أنه الصورة الوحيدة للعالم. أما الخير، فما زال موجودًا، لكنه لا يصنع ضجيجًا، ولا يتصدر العناوين.

لعل ما تبقّى لنا هو أن نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا التوحش، وألا نسمح لكل هذا الضجيج أن ينتزع من قلوبنا الرحمة، ولا من عقولنا الأمل، ولا من أخلاقنا القيم. فما دام في الأرض قلبٌ يرحم، ولسانٌ يصدق، ويدٌ تمتد بالعون، فليس كل شيء قد ضاع.

قد لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نكون جزءًا من الخير الذي ما زال يقاوم، وأن نؤمن بأن شمعةً صغيرة قد تبدد ظلام غرفة كاملة، وأن الأمل، مهما بدا ضعيفًا، يظل أقوى من اليأس إذا وجد من يتمسك به.

لكن هذا الأمل لن يكتمل إلا إذا أدرك الناس العاديون أن مسئولية استعادة القيم لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تبدأ من كل بيت وكل فرد. فلا يجوز أن نجعل الظروف الاقتصادية ذريعةً لتبرير القسوة أو التخلي عن الأخلاق، فالفقر قد يضغط على الحياة، لكنه لا يبرر فقدان الضمير. وعلى الأسرة أن تعود إلى دورها الأول في التربية، وغرس الاحترام، وتحمل المسئولية، وصناعة جيل يعرف معنى الواجب قبل أن يطالب بالحقوق. كما أن لرجال الدين والإعلام مسئولية كبيرة في ترسيخ الوعي، ونشر الرحمة، وتقديم القدوة، لا في تأجيج الفوضى أو تكريس الانقسام. فإذا تعاون الجميع على هذا الطريق، أمكننا أن نستعيد شيئًا من القيم التي تراجعت، وأن نمنح الحياة فرصة جديدة لأن تكون أرحب وأجمل عندها ستكون لدينا إجابة على هذا التساؤل .. ماذا بقّى لنا ؟

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9716
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.