من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ما علاقة موجة الحر الأوروبية بمجمع هارب في ألاسكا؟

القاهرة : " نقاش "
ما علاقة موجة الحر الأوروبية بمجمع هارب في ألاسكا؟

موجة الحر الأوروبية وأسطورة "أسلحة المناخ": بين الحقيقة العلمية ونظريات المؤامرة


القارة العجوز تحت وطأة الحرارة


تشهد أوروبا منذ العشرين من يونيو الجاري موجةً حارة استثنائية، طالت معظم أرجاء القارة وحطّمت أرقاماً قياسية سجّلتها الكتب المناخية على مدى عقود. ففي العاصمة الفرنسية باريس، تخطّت مؤشرات الحرارة عتبة الـ40.9 درجة مئوية، في حين رصدت المحطات البريطانية رقماً غير مسبوق في يونيو بلغ 35.8 درجة، أما البرتغال فيتوقع خبراء المناخ فيها أن تلامس الحرارة حاجز الـ42 درجة مئوية في الأيام المقبلة.

وتتقاطع هذه البيانات مع تحذيرات متواصلة أطلقتها الوكالة الأوروبية للبيئة، التي أشارت منذ سنوات إلى أن موجات الحر باتت أكثر تكراراً وأشد حدةً في أوروبا الغربية تحديداً، مرجعةً ذلك إلى تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي وتسارع وتيرة الاحترار العالمي.


من الأرشيف إلى التريند: عودة "هارب" إلى الواجهة

في كل مرة تضرب فيها ظاهرة مناخية قاسية عواصم الغرب، تُعاد تدوير اسم واحد بعينه عبر منصات التواصل الاجتماعي: HAARP، أو "برنامج أبحاث النشاط الأيونوسفيري عالي التردد" High-frequency Active Auroral Research Program، المنشأة الأمريكية الواقعة في مدينة غاكونا بولاية ألاسكا.

وفي موجة الحر الراهنة، عادت هذه الرواية إلى الانتشار بقوة، إذ يدّعي أصحابها أن المجمع قادر على التحكم في الطقس في أي بقعة من بقاع الأرض، وأنه يُستخدم سلاحاً مناخياً خفياً لإشعال موجات الحر وإثارة الجفاف وتوجيه الأعاصير، بل ذهب بعضهم إلى اتهامه بالتسبب في زلازل وأمواج تسونامي.

ما هو "هارب" حقاً؟

أُسِّس مجمع HAARP عام 1993 بتمويل مشترك من سلاح الجو الأمريكي والبحرية الأمريكية ووكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة (داربا). وتتمحور مهمته البحثية الأساسية حول دراسة الطبقة الأيونوسفيرية من الغلاف الجوي، وهي الطبقة الممتدة بين 60 و1000 كيلومتر فوق سطح الأرض، وذلك من خلال إرسال موجات راديوية عالية التردد نحوها لرصد خصائصها وتأثيراتها على الاتصالات والملاحة.

وقد نُقلت إدارة المنشأة عام 2015 إلى جامعة ألاسكا فيربانكس، لتتحول إلى مرفق بحثي مدني مفتوح للزيارة والتفتيش في أيام محددة كل عام، وهو ما يتعارض جوهرياً مع صورة "المختبر السري" التي يروّج لها المنظّرون.


العلم يردّ: لماذا هذه الادعاءات لا أساس لها؟


يُجمع علماء الأرصاد الجوية والفيزياء الجوية على أن الطاقة التي يُشعّها مجمع HAARP تبلغ في أقصى طاقته 3.6 ميغاواط، وهي طاقة تصغر بمراحل لا تُحصى قياساً بالطاقة الهائلة التي تنطوي عليها الأنظمة المناخية. وللمقارنة، فإن عاصفةً رعدية متوسطة واحدة تُطلق ما يعادل ألف مرة أو أكثر من هذه الطاقة في غضون ساعات.

فضلاً عن ذلك، تعمل تأثيرات المجمع داخل الطبقة الأيونوسفيرية فحسب، أي على ارتفاعات تفوق 60 كيلومتراً، بمعزل تام عن الطبقة الجوية السفلى التي تصنع طقسنا اليومي. ويؤكد الخبراء أن ظاهرة موجات الحر ناجمة عن أنماط راسخة ومفهومة علمياً، في مقدمتها احتجاز الكتل الهوائية الساخنة تحت منظومات ضغط مرتفع تُعرف بـ"القباب الحرارية"، وتراجع التيارات النفاثة بفعل الاحترار العالمي.

نظريات تتكرر مع كل كارثة

ليست هذه المرة الأولى التي يُتّهم فيها "هارب" بالتدخل في شؤون الطبيعة. فبعد زلزال هايتي عام 2010، وإعصار كاترينا عام 2005، وأمواج تسونامي المحيط الهندي عام 2004، تصدّرت المنشأة الألاسكية قوائم الاتهام الافتراضي ذاتها، دون أن يقدم أحد من المنظّرين دليلاً واحداً قابلاً للتحقق أو الاختبار.

ويرى علماء السلوك المعرفي أن هذه الروايات تستمد قوتها من نزعة بشرية فطرية تبحث عن "عدو مُبيَّن" خلف كل مصيبة كبرى، بدلاً من قبول تفسيرات معقدة وغير مريحة كالتغير المناخي الذي يتطلب استجابات جماعية طويلة الأمد.

الخيال في مواجهة العلم

تبقى الحقيقة العلمية واضحة وصارمة: أوروبا تدفع اليوم ثمن عقود من انبعاثات الكربون وتآكل التوازن المناخي العالمي. أما مجمع HAARP، فهو منشأة بحثية محدودة الطاقة، مفتوحة للعموم، لا تملك من الناحية الفيزيائية أي قدرة على التأثير في المنظومة المناخية لكوكب الأرض.

وفي حين تُشغل نظريات المؤامرة الملايين عبر الشاشات، تواصل الفرق الحكومية والطبية في باريس ولشبونة ولندن معركتها الحقيقية والصامتة: حماية المسنّين والأطفال من موجة حر لم تنتجها يد بشرية خفية، بل صنعتها تراكمات بشرية لا تخفيها أي نظرية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9733
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.