الصين تواصل شراء الذهب بلا توقف
الصين تُراكم الذهب بوتيرة تاريخية.. 163 طناً في مايو وأعلى احتياطي على الإطلاق
في مشهد يكشف عن استراتيجية اقتصادية بعيدة المدى، واصلت الصين تراكم احتياطياتها من الذهب بوتيرة غير مسبوقة، إذ كشفت أحدث البيانات أن وارداتها من المعدن الأصفر قفزت في مايو 2026 إلى 163 طناً، مُسجِّلةً بذلك أعلى مستوى منذ مارس 2024، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن بكين تُحوِّل ثقلها الاقتصادي نحو الأصول الصلبة بعيداً عن الدولار.
وتيرة غير مسبوقة في التراكم
لا يكفي النظر إلى أرقام مايو منفردةً لاستيعاب حجم ما تقوم به الصين؛ إذ يتضح الأمر جلياً حين يُقرأ في سياقه التراكمي. فقد ارتفع إجمالي واردات الذهب الصينية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة بلغت 76% مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي، وهو رقم لا يُعبِّر عن موجة عابرة، بل عن تحوُّل هيكلي ممنهج في سياسة الاحتياطيات الوطنية.

وتتجلى عمق هذا التوجه أكثر حين ننظر إلى سلوك البنك المركزي الصيني؛ فقد واصل مؤسسة النقد الأجنبي في بكين شراء الذهب للشهر التاسع عشر على التوالي دون انقطاع، لترتفع احتياطيات المملكة الوسطى إلى مستوى قياسي غير مسبوق يبلغ 2,331 طناً، في تأكيد صريح على أن القرار ليس تكتيكياً بل استراتيجي وممنهج على المدى البعيد.
قراءة في دلالات التوقيت
لا يأتي هذا التوجه الصيني المحموم نحو الذهب في فراغ. فالعالم يعيش مرحلة بالغة الاضطراب على الصعيدين النقدي والجيوسياسي؛ حروب التجارة مع الولايات المتحدة، وتصاعد التوترات حول نظام الدفع الدولي، وتراجع الثقة في الأصول الدولارية لدى دول عديدة، كلها عوامل تدفع بكين إلى اكتناز المعدن الأصفر بوصفه درعاً واقية من الصدمات الخارجية.
كما لا يمكن إغفال الأثر الذي تركه تجميد الأصول الروسية في الغرب عقب عام 2022، إذ أثار ذلك التدبير قلقاً بالغاً لدى القوى الكبرى غير الغربية، ودفعها إلى إعادة التفكير في جدوى الاحتفاظ باحتياطياتها بعملات قابلة للتجميد والمصادرة. والذهب في هذا السياق لا يُنزَع ملكيته ولا يُجمَّد ولا يُعاقَب عليه.
ماذا يعني ذلك عالمياً؟
تُعدُّ الصين اليوم واحدة من أكبر المتراكمين للذهب على مستوى العالم، وشهيتها المتصاعدة للمعدن الأصفر تُلقي بظلالها على الأسواق الدولية من زوايا متعددة:
أولاً: الطلب الصيني المتواصل يُوفِّر دعماً هيكلياً قوياً لأسعار الذهب عالمياً، مما يُضيِّق هامش التراجع في القيمة حتى وسط موجات بيع عابرة.
ثانياً: التحوُّل الصيني نحو الذهب يُشكِّل رسالة ضمنية إلى الأسواق الناشئة وحكومات الجنوب بأن إعادة هيكلة الاحتياطيات بعيداً عن الدولار باتت سياسة مشروعة ومعتمَدة من اقتصاد عملاق.
ثالثاً: في حال تصاعدت حدة الاحتكاكات التجارية مع واشنطن، يمنح الذهبُ بكينَ هامشاً أوسع من الاستقلالية النقدية، ويُضعف فاعلية أي عقوبات مالية محتملة.
إن ما تقوم به الصين اليوم لا يُشبه المضاربة على معدن ثمين، بل هو رهان استراتيجي طويل الأمد على إعادة رسم خريطة النظام النقدي الدولي، فكل طنٍّ يُضاف إلى احتياطياتها يُعزِّز ثقلها في أي معادلة اقتصادية مستقبلية، ويُقرِّبها خطوةً أخرى نحو تحرير قرارها النقدي من مدار الدولار. والأرقام المتراكمة تقول بوضوح: بكين لا تشتري الذهب، بل تبني منه أساس نفوذ قادم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك