من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

أخلاق الأدباء في زمن الجاحظ

القاهرة : " نقاش "
أخلاق الأدباء في زمن الجاحظ


‏كان الجاحظ ذا حدقتين جاحظتين مشهورتين، لكن ما لا يُنتبه له أحيانا أن ذلك الجحوظ ما كان إلا ترجمة حسية لجحوظ نفسي ومعرفي مولع بتتبع المعارف، وترصد الغرائب في مدافن الحياة، مترجم عن نفس مشغولة بالتفكير والتنقير.


واللّٰهَ تعالى لم يُعَلّم الناسَ ليكونوا عالمين دونَ أنْ يكونوا عاملين، بل علّمَهم ليعملوا.

وَبَيّنَ لهم ليتقوا. ولِخَوفِ الوقوعِ في المضارِّ، والتورّطِ في المهالك، طَلَبَ الناسُ التَّبَيُّنَ. ولِحُبِّ السلامة من الهلَكة والرغبة في المنفعة احتملوا ثِقلَ التّعلم، وتعجّلوا مكروهَ المعاناة. ولِقلَّة العاملين وكثرة الواصفين، قال الأولون: العارفونَ أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين.

وإنّما كَثُرت الصفاتُ وقلّت الموصوفات، لأنّ ثوابَ العمل مؤجل، واحتمالَ ما فيه معجل.

ولأبي عثمان الجاحظ -رحمه الله رسالةٌ عنوانها: ذم أخلاق الكُتّاب كتبها ردًّا على كتابٍ قرأه في مدح أخلاقهم وأفعالهم، والكُتّاب هم في ذلك الزمان مجموعة من الموظفين عند الولاة والخلفاء ونحوهم مهمتهم الكتابةُ النثرية وكتابة الرسائل ونحو ذلك، وهم أصحاب قدرةٍ على البيان والكتابة.


فهم إن شئت أن تدخل فيهم كثيرٌ من المثقفين والمدونين، في الزمان الحديث ممكن يحسنون الكتابة ويرقمون المنشورات ونحوها مؤثرين في الناس ومستتبعين لهم دون علمٍ أو فقهٍ.

وأنتَ إذا قرأت وصفه لهم لوجدته صادقًا على كثيرٍ مما تراه ممن يقتصرُ في دخوله أبواب المتكلمين في العلم وأمر العامة والناصحين في قضايا الناس وشؤونهم على نتفٍ وشذراتٍ وملحٍ يجمعها من هنا وهناك ظنّ نفسه فقيهًا واجتماعيًّا وعالمَ نفس وسياسيًّا.

وسأدع الكلام لأبي عثمان يبين عن تلك الطبقةِ من الناس التي لا يخلو منهم عصر من الأعصار أو زمن من الأزمان، وإن كان زماننا أشد ابتلاءً بهم حيثُ وهبت فيالق الحمقى أدوات الإبانة والإعلان برأيهم.


قال أبو عثمان:


ثم الناشئ فيهم إذا وطئ مقعد الرياسة، وتورَّك مشورة الخلافة، وحُجزت السَّلَّةُ دونه، وصارت الدواة أمامه، وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم مُلحه، وروى لبُزرْجمهْر أمثاله، ولأردشير عَهْده، ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفَّع أدبه، وصيَّر كتاب مَزْدَك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنْز حكمته ، ظنَّ أنَّه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عبّاسٍ في العلم بالتأويل، ومُعاذ بن جبلٍ في العلم بالحلال والحرام، وعليُّ بن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلاَّف في الجُزْء والطَّفرة، وإبراهيم بن سيار النظَّام في المكامنات والمجانسات، وحسينٌ النَّجَّار في العبارات والقول بالإثبات، والأصمعيُّ وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9754
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.