من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تل أبيب تسعى لتوسيع نفوذها في غرب أفريقيا

واغادوغو ، باماكو : " نقاش "
تل أبيب تسعى لتوسيع نفوذها في غرب أفريقيا


​الساحل الإفريقي وإسرائيل: براغماتية سياسية ووساطات عربية وراء الكواليس



​تشهد منطقة الساحل الإفريقي تحولات دراماتيكية متسارعة تتجاوز حدود الانقلابات العسكرية وإعادة تموضع القوى الدولية الكبرى؛ إذ كشفت تقارير إعلامية ودبلوماسية متطابقة عن حراك سري متصاعد يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات السياسية والأمنية بين عدد من الأنظمة العسكرية الحاكمة في المنطقة وإسرائيل، برعاية مباشرة من أطراف عربية نافذة.

وتأتي مالي في واجهة هذا التحول، فبعد سنوات من الجفاء الدبلوماسي والشعارات القومية، تشير المعطيات إلى أن العاصمة باماكو انخرطت منذ عدة أشهر في محادثات سرية مع تل أبيب لبحث إمكانية تطوير العلاقات الثنائية، وهو حراك لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بنسق ورعاية بارزة من دولتي الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية اللتين تتحركان في هذا الملف مستندتين إلى علاقاتهما القوية مع المجلس العسكري الحاكم في مالي من جهة، ومستفيدتين من شبكة علاقاتهما الواسعة مع إسرائيل عبر "اتفاقيات أبراهام" من جهة أخرى، لتقديم تل أبيب كشريك أمني وتكنولوجي محتمل للأنظمة الإفريقية المأزومة.

​وفي السياق ذاته، وفي خطوة تؤكد أن التحرك الإسرائيلي بات يطرق أبواب عواصم الساحل بشكل علني، استقبل رئيس بوركينا فاسو الانتقالي،  إبراهيم تراوري، السفير الإسرائيلي سيمون سيروسي، في خطوة أثارت موجة من التساؤلات والتحليلات السياسية؛ نظراً لأن نظام تراوري صعد إلى السلطة مستنداً إلى خطاب شعبوي راديكالي يرفع شعارات معادية للإمبريالية ويدعو إلى التحرر الوطني ومقاومة احتلال الشعوب، وهي أدبيات تتقاطع ظاهرياً مع القضية الفلسطينية والمواقف التاريخية المناهضة للسياسات الإسرائيلية.

​ويرى مراقبون للشأن الإفريقي أن تجاوب هذه الأنظمة العسكرية مع المساعي الإسرائيلية يعكس "براغماتية شديدة" تفرضها تحديات البقاء؛ فالأولوية القصوى للمجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو تتمثل اليوم في البحث عن بدائل أمنية واستخباراتية لمواجهة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، خاصة بعد تراجع النفوذ الفرنسي والاضطراب الذي تشهده الشراكات البديلة مثل مجموعة "فاغنر" الروسية أو صيغها المعدلة، فضلاً عن السعي لتأمين شرعية دولية وتخفيف العزلة الغربية المفروضة عليها عبر البوابة الإسرائيلية، والتي تمثل تاريخياً ممراً سريعاً لكسب ود العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن. هذه البرغماتية وضعت الأنظمة الحاكمة في الساحل أمام معضلة حقيقية في مواجهة حاضنتها الشعبية، حيث تتباين الخطابات الحماسية الموجهة للاستهلاك الداخلي، والتي تركز على "السيادة والتحرر"، مع التحركات الدبلوماسية الواقعية على الأرض التي تبحث عن حلفاء أمنيين بغض النظر عن خلفياتهم السياسية أو الأيديولوجية.

​على الجانب الآخر، تسعى إسرائيل من خلال هذا الاندفاع نحو الساحل الإفريقي إلى تحقيق مكاسب استراتيجية متعددة، في مقدمتها كسر العزلة الدبلوماسية وتوسيع نفوذها السياسي في القارة السمراء لضمان أصوات داعمة أو محايدة في المحافل الدولية، إلى جانب التغلغل الأمني والعسكري عبر بيع تقنيات التجسس والطائرات المسيرة وأنظمة الدعم اللوجستي، وهي مجالات تبدي جيوش المنطقة حاجة ماسة إليها، فضلاً عن رغبة تل أبيب في محاصرة النفوذ الإقليمي لخصومها التقليديين مثل إيران، وتأمين ممرات الملاحة والتجارة.

وأمام هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال المطروح في أروقة صناعة القرار بالمنطقة حول مدى نجاح الوساطات العربية والبراغماتية العسكرية في إخراج هذه العلاقات إلى العلن وبناء تحالفات مستدامة، أم أن الضغط الشعبي وإرث الشعارات المعادية للاستعمار سيشكلان عائقاً أمام التطبيع الكامل، وهو ما ستجيب عنه الأيام القادمة في الساحل الإفريقي.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9759
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.