من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقية لقصة دفتر مذكرات للأديبة نهال النجار

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقية لقصة دفتر مذكرات للأديبة نهال النجار


ليست الأوراق هى الوحيدة الصالحة للكتابة لكن هناك كتابة تُخط في أعماق النفس ، نحن لا نقرأ حكاية لطفلة داخل دفتر مذكرات ، وإنما نخوض رحلة لتكوّن الوعى الإنساني .


 نهال النجار طرحت سؤال وجودي داخل النص ، ما الذي يكتبه الإنسان في دفتر مذكراته ؟ هل يكتب الأيام التي عاشها ؟ أم الأيام التي صنعته؟ 


 بداية النص ومنذ الصفحة الأولى نجد الإجابة ، الصفحة فارغة ، تتلوها عدة صفحات بزركشات بسيطة ، فكان الوصف لسنوات العمر الأولى ، فالبياض ليس فراغًا من الأحداث ، بل فراغًا من القدرة على رؤيتها ، السنوات الأولى هى سنوات التخزين ، يعيش الطفل خلالها آلاف الخبرات ، لكنها لا تتحول إلى لغة يستطيع ان يستدعيها ، فجاءت البداية موفقة .

اما الزركشات البسيطة هى اللغة الأولى التي نكتب بها في هذه المرحلة ، حيث لا نعرف كيف تُصاغ الحروف ، إنها آثار الوجود الأولى.


ومن الصفحة الخامسة يبدأ السرد الحقيقي ، لا لأن الحياة بدأت هناك ، بل لأن الذاكرة أصبحت قادرة على الإحتفاظ بما عاشته ، هنا يكشف النص واحد من أهم مفاتيحه ، فأرقام الصفحات ليست ترقيمًا عابرًا ، وإنما تُمثل أعمار البطلة نفسها .


ويأتي ما يؤكد دقة الاختيار ، الصفحة الثالثة عشر هى صفحة البلوغ حيث تواجه البطلة العبور إلى الأنوثة ، فالبلوغ يحدث في هذا السن ربما يقل ، أو يزيد قليلًا ، فهى ليست مصادفة رقمية ، وإنما إعلان أن الدفتر هو العمر نفسه ، وكل صفحة هى عامًا من أعوام التكوين .


ومن هنا يتحول الدفتر من وعاء للذكريات إلى سجلًا للفلسفة التي تُؤكد أن الإنسان لا يتكون من خلال عدد السنوات التي عاشها ، وإنما من السنوات التي تركت في روحه أثرًا .

وتنقلنا الكاتبة بالقصة إلى عالمها الرمزي من خلال الألوان ، فيفتتح الأبيض هذا العالم بوصفه لون ما قبل الإدراك ، ثم يحتل اللون الأزرق المساحة الأكبر في وجدان البطلة .

" الأم او ربما الأم البديلة " تحب الأزرق ، لكني أكاد أُجزم أنها الأم البديلة ، فالأم الحقيقة ماتت قبل مرحلة الإدراك ، لذا فهى لم تذكر بعض تفاصيلها، حب الأم البديلة للأزرق جعل البطلة وهى في هذه السن لا تتمنى ان يأتوا إليها بلُعب كباقي الاطفال ، بل جعلها تتمنى ان يُصبح العالم كله أزرق ، فهى لا تبحث عن اللون ، بل تبحث عن وسيلة تقودها لقلب أمها.

لكن للأسف الأرزق لا يحتفظ ببراءته ، ففي عُمر الرابعة عشر يتحول لون الجلد إلى الأزرق بعد العقاب ، هنا يتحول اللون الأزرق من رمز للحب إلى رمز للألم ، ليس هذا فحسب بل اكتسب اللون الأزرق رمزية ثالثة أكثر معاصرة حين تظهر الشاشة الزرقاء . " الهاتف " .

لقد منح الهاتف الأم قدرة على معرفة أخبار العشرات ، وربما المئات وقراءة يومياتهم ، لكنها تعجز عن قراءة التحولات الكبرى التي تعيشها الطفلة التي تجلس جوارها.


ولا يكتمل الرمز إلا بقراءة اللونين الأحمر والأسود .

اللون الأحمر حيث يمثل الخطر والغضب ، الخطر المتمثل في الجهل ، الجهل في كيف تُدار العلاقات ؟ ، الجهل في التعامل مع الأطفال ، الجهل الذي جعل التغيرات الفسيولوجية كارثة وجودية .

اما الأسود الذي توشحت بهوالسيدات كان رمزًا الحداد ، اما بالنسبة للطفلة الإنغلاق كان لها الدرع الذي يواري مشاعرها الحقيقية . 


رغم ذلك فإن الرمز الأجمل بالنص هو الظل ، فالطفلة لا تلعب مع امها ، بل مع ظلها " تقف ، تقفز ، تحاول الوصول إلى ظل الوجه ، ثم تقبله حين يستريح على الأرض" 

هى لا تصل إلى الأم بل إلى أثرها .

مشهد غاية في الروعة القصة لا تشرح شيئا ، لكنها تقول كل شيء.

فالظل هو صورة للحضور الناقص .


ولا يقل رمزية حبل الغسيل عن الظل ، الأم تتحرك بين الحبل و سبت الغسيل في حركة منتظمة ، دائرة من الوجبات اليومية ، حبل الغسيل أصبح رمزًا للحد الفاصل بين عالم الإحتياجات المادية من " نظافة وترتيب " و آخر تُترك فيه الإحتياجات النفسية مُعلقة .


لذا لا تبدو صفحة البلوغ صفحة منفصلة فعند اختفاء الفوطة الصحية لا يخطر ببال الأم بأن البطلة قد بلغت. ، هذا الجزء خاصة ، يبين ان البطلة اصبح لها احتياجات تعدت المأكل والملبس .


القصة تفرض أسئلة غاية في الأهمية ، ما معنى الأمومة ؟ هل هى وظيفة تلتزم بقواعد ؟ أم غريزة إنسانية تحكمها المشاعر والأحاسيس ؟  


ايضا القصة تطرق لتفاصيل غاية في الدقة ، فإذا كانت الألوان والظلال والحبل كشف للعالم الذي تعيش فيه البطلة ، فإن الرسومات ما هى إلا وسيلة لتوثيقه .


الطفل قبل أن يمتلك اللغة يرسم نفسه ، لذا لابد أن نتعامل مع الرسومات لا بوصفها أعمالًا طفولية ، بل وثائق نفسية تسجل ما تعجز الكلمات عن وصفه ، علم النفس الحديث لا يعتمد على الجلسات والتحدث إلى المرضى ليصل إلى أزمتهم ، بل أنه يستخدم وسائل أخرى أهما وهذه الوسيلة تصلح للأطفال حيث انهم يعجزون ان الشكوى ، فالرسم ، والخطوط المتشابكة والنقاط ، حتى طريقة الضغط على القلم وما يتركه من أثر على الورق كالثقوب لها مدلولها .


الكاتبة وضعتنا أمام أزمة أخرى وهى أزمة التعليم ، وكيفية اختيار المُعلم المؤهل للتعامل مع الطفل ؟ ، المعلمة لم تستطع معرفة ازمة الطفلة ، مما زاد من عزلتها.

القصة تسأل وعلينا ان نُجيب ، ربما نستطيع أن نصل لحل .


الأن ننتقل معًا لطبيعة الرسم التي وصفته الكاتبة ، الطفلة بدأت برسم بيت بنوافذ عملاقة يطل على حديقة مبهرة لكنه بلا باب ، الذي يمثل لها بوابة العبور .

ثم ترسم رسمة أخري لبيت بلا باب ولا نوافذ وكأنها فقدت الرغبة ان ترى الخارج ، هنا تتضح صورة الذات حيت تعجز للوصول للآخرين .


رسم الفم المفتوح الذي يغلقه السحاب تؤكد ان الصمت كان مفروضًا عليها .

 تكررت كلمة " سكتُ " أكثر من مرة مع كل صفحة أو بالأحرى مع كل عام من أعوام عمرها ،ومع ذلك لا أراها أزمة في الأسلوب ، بل خلاصة فلسفة كاملة ، السكوت ياتي بعد المرور بمراحل تجعلنا نفقد الثقة فيمَن يسمعنا.


أما الجملة الأخيرة التي قالتها البطلة " للمرة الثانية صرت يتيمة الأم " 

هنا نرى البطلة رغم ما عانته كانت متمسكة بصورة الأم البديلة ، برحيل امها الاولى فقدت العاطفة " أى الإهتمام النفسي ، وبرحيل الأم البديلة فقدت الإهتمام المادي .

فالبطلة كانت متمسكة بما هو ناقص لأنها اعتادت عليه ، فالاعتياد يمنح العلاقة قيمة قد لا تكون نابعة عن الكمال بل من الاستمرار .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9764
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.