الكاتب ولعنة المعرفة
لا شك في أن كل كاتب يسعى فيما يكتب إلى الوصول إلى عقل القارئ؛ لهذا فهو يتخذ كل الوسائل المعرفية واللغوية والبلاغية والأدبية والأسلوبية لتحقيق هذا الهدف، دون الانتباه إلى إمكان وجود فجوة معرفية بينه وبين القارئ، تمنع التواصل بينهما، فلا يفهم القارئ ما كتبه الكاتب؛ لهذا كانت حاجة الكاتب إلى إدراك الطريق إلى الكتابة الواضحة والجيدة.
من العلماء، الذين برزت آراؤهم في معرفة الطريق، التي يصل بها الكاتب إلى عقل القارئ عالم النفس واللغة، والكاتب الكندي-الأمريكي، ستيفن بنكر Steven Pinker، الذي يعمل أستاذًا للغة في جامعة هارفارد.
يرى بنكر في كتابه""حسّ الأسلوب: دليل المفكر للكتابة في القرن الحادي والعشرين" أن الطريق إلى الكتابة الجيدة والناجحة تتمثل في التخلص من لعنة المعرفة؛ فهي السبب في رداءة الكتابة وغموضها، ويقصد بلعنة المعرفة افتراض الكاتب أن القارئ يعرف ما يعرفه؛ فهو يكتب تحت هذا الفهم؛ مما يؤدي إلى عدم الوضوح في الكتابة، وبالتالي اضطراب التواصل بينهما، ويبين بنكر رؤيته تلك في التجربة الشائعة "علبة الحلوى".
في التجربة، يختار الباحث طفلًا من بين مجموعة من الأطفال، ويُدخله إلى غرفة أو مختبر، ويُعطيه علبة حلوى. يتوقع الطفل أن يجد بداخلها حلوى، لكنه حين يفتحها أمام زملائه يجد أقلام رصاص. عندما يسأل الباحث عما سيجده طفل آخر لو أدخل الغرفة وأعطي علبة حلوى. سيجيب بأنه سيجد أقلام رصاص، مع أن من المفترض أن يجد الحلوى، كما توقع الطفل الأول في البداية.
إن معرفة الطفل للحقيقة، بأن العلبة فيها أقلام لا حلوى تجعله لا يستطيع العودة إلى معرفته الأولى، عندما كان لا يعرف أن العلبة تحتوي أقلامًا. هكذا تثبت التجربة بأن الإنسان عندما يعرف الحقيقة، يصعب عليه أن يتخيّل عقل شخص لا يعرفها، وهذا ما يدعى لعنة المعرفة.
بتلك التجربة أيضًا يبين بنكر سبب الكتابة الغامضة، التي يقوم بها بعض الأكاديميين، فالكاتب منهم، مع أنه يكون فاهمًا موضوعه جيدًا ينسى أن القارئ لا يعرف معرفته، ولا يعرف الخلفية، أو الخطوات الوسطى في التفكير أو المصطلحات التي يوردها؛ لذلك تأتي كتابته غامضة بالنسبة إلى القارئ. ومع أن الكاتب لا يريد التعقيد فهو لم يدرك الفجوة بين معرفته ومعرفة القارئ. هذا ما تشير إليه دراسات علم النفس الاجتماعي بأن الإنسان ليس بارعًا في فهم ما يفكر فيه الآخرون وما يعرفونه، حتى لو بذل الجهد في سبيل ذلك.
استنادًا إلى ذلك يقدم بنكر للكاتب مجموعة من النصائح لتجنب لعنة المعرفة، ولتغدو كتابته واضحة، وتقوم هذه النصائح بأن يتخيل الكاتب أن القارئ لا يعرف الموضوع الذي يكتب فيه، وأن تكون لغته واضحة فالبساطة لا تعني السطحية، وأن يشرح المصطلحات قبل استخدامها، وأن يقدم أمثلة قريبة؛ لتوضيح الفكرة لدى القارئ، ولا يقفز من فكرة إلى أخرى دون شرح وتفصيل، وأن يقرأ ما كتبه بعين القارئ لا بعينه، فربما يجد فكرة تحتاج إلى تمهيد، أو جملة غير واضحة، أو مصطلحًا دون شرح. وأخيرًا أن يستعين بقارئ من غير اختصاصه لقراءة ما كتب. وإذا أشار هذا القارئ إلى شيء لم يفهمه فهذا لا يعني أن ما أشار إليه ضعيف، بل إن الشرح يحتاج إلى توضيح أو تنسيق.
في النهاية يمكن القول: إن الكاتب يتجنب لعنة المعرفة عندما يكون قد قدم موضوعه بفهم ووضوح، وأيقن بأن القارئ قد انتقل إليه هذا الفهم؛ فالكتابة الجيدة لا يعرض فيها الكاتب معرفته بل تلك التي يستطيع القارئ فيها رؤية الطريق التي استخدمها للوصول إلى عقله، أي بمعنى آخر التخلص من أي تحيز معرفي حيث يفترض الكاتب أنه ذو معرفة متخصصة، وأن الآخرين يمتلكون تلك المعرفة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك