الدولار يفقد بريقه عالميًا.. البنوك المركزية تعيد رسم خريطة احتياطاتها
تشهد منظومة الاحتياطيات النقدية العالمية تحولًا لافتًا، إذ تتجه أعداد متزايدة من البنوك المركزية حول العالم نحو خفض حصة الدولار الأمريكي من محافظها الاستثمارية خلال العقد المقبل، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من المخاطر السياسية المرتبطة بالعملة الأمريكية.
نتيجة غير مسبوقة في استطلاع OMFIF
وبحسب استطلاع حديث أصدره المنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية (OMFIF)، فقد سجّل عدد البنوك المركزية التي تخطط لخفض مخصصاتها من الدولار أكثر من تلك التي تعتزم زيادتها خلال العقد المقبل. واللافت أن هذه هي المرة الأولى التي يرصد فيها المنتدى تحولًا صافيًا بعيدًا عن الدولار بين كبار المستثمرين العموميين في العالم، وهو ما يعكس قلقًا متناميًا إزاء حالة عدم اليقين السياسي في الولايات المتحدة والمخاطر الجيوسياسية المحيطة بها.
وشمل الاستطلاع آراء تسعين جهة بين بنوك مركزية وصناديق ثروة سيادية وصناديق تقاعد عامة، تدير مجتمعة نحو 10 تريليونات دولار من الأصول، ما يمنح نتائجه ثقلًا واضحًا في قراءة اتجاهات الاستثمار العالمي للسنوات المقبلة.
الدولار يقاوم.. لكن الثقة تتراجع
ورغم هذا التحول الاستراتيجي بعيد المدى، فإن العملة الأمريكية لم تتراجع بعد على المدى القصير؛ إذ ارتفع الدولار بنحو 3% هذا العام، مدعومًا بارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية والطلب القوي على الأصول الأمريكية، إضافة إلى عمليات شراء الملاذ الآمن خلال التوترات الأمريكية-الإيرانية.
غير أن كثيرًا من مديري الاحتياطيات باتوا يرون أن النظام النقدي العالمي يتجه تدريجيًا نحو مسار مختلف عما عهدناه طوال العقود الماضية.
الذهب يتصدر البدائل
وفي مقابل تراجع جاذبية الدولار، يبرز الذهب كأكبر المستفيدين من هذا التحول؛ إذ كشف الاستطلاع أن 82% من البنوك المركزية تحتفظ بالفعل باحتياطيات من الذهب، فيما تعتزم نسبة صافية تبلغ 30% زيادة حيازاتها منه خلال العام إلى العامين المقبلين.
ويرى المنتدى أن المعدن الأصفر تحوّل إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات إدارة الاحتياطيات، باعتباره أداة حماية من حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
الذكاء الاصطناعي يدخل على خط القرار النقدي
ولم يقتصر الاستطلاع على قضايا الاحتياطيات النقدية، بل رصد أيضًا توجهًا متناميًا نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي المركزي، إذ يتوقع أكثر من ثلثي البنوك المركزية توسيع استخدامها للذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب، فيما لا تخفي كثير من المؤسسات عدم رضاها عن مستوى التبني الحالي لهذه التقنية.
واشنطن وبكين يحتفظان بمكانتهما
ورغم اتجاه التنويع المتنامي بعيدًا عن الأصول الدولارية، يبقى المشهد الاستثماري العالمي مرتبطًا بقوة بالقوتين الاقتصاديتين الكبريين؛ إذ لا تزال الولايات المتحدة والصين تتصدران قائمة الوجهات الاستثمارية الأكثر جذبًا للبنوك المركزية، مدفوعتين بريادتهما في مجالي الذكاء الاصطناعي والابتكار التكنولوجي.
وتشير معطيات الاستطلاع إلى أن العالم لا يشهد انهيارًا مفاجئًا لهيمنة الدولار، بل تحولًا تدريجيًا وحذرًا في خريطة الاحتياطيات النقدية العالمية، تقوده مخاوف سياسية واقتصادية متصاعدة، ويستفيد منه الذهب بشكل خاص، فيما تبقى الصورة الكاملة لمستقبل النظام النقدي الدولي رهينة بمسار العلاقات الجيوسياسية الكبرى في السنوات المقبلة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك