من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

شاعر الإشراق الباحث عن الكون المسحور

بقلم: صلاح الدين عثمان
شاعر الإشراق الباحث عن الكون المسحور



إنه الشاعر السوداني الأستاذ محمد محمد علي، صاحب ألحان وأشجان وظلال شاردة، زوج الأستاذة ثريا محمد جماع، وابن خالة المبدع إدريس جماع. 

شاعر أفريقيا التي طوت الظلام، وصاحب المقولة الشهيرة: (خلقتُ لأن أكون معلّمًا رسولًا لا أن أكون وزيرًا). 


حفظت له مكتبة الإذاعة هذا النص الغنائي البديع:

هَمَساتٌ مِن ضَميرِ الغَيبِ تُشجِي مَسمَعِي  

وَخَيالاتُ الأماني رَفرفَت في مَضجَعِي  

وأنا بَينَ ظُنوني وَخَيالي لا أعي


عَربَدَت بي هاجِساتُ الشَوقِ إذ طالَ النَوى  

وتَوالَت ذِكرياتي عَطراتٌ بالهَوى  

كانَ لي في عالَمِ الماضي غَرامٌ وانطَوى


كانَ لي بالأمسِ أحلامٌ وشَوقٌ وحَبيب  

كانَ لي للجُرحِ طَبيبٌ لا يُجاريهِ طَبيب  

كانَ ما كانَ وبِتنا كُلّنا ناءٍ غَريب


سكِرَ السُمّارُ والخَمارُ في حانِ الغَرام  

وأنا الصاحي أرى في النورِ أشباحَ الظَلام  

وبَدَت كأسي على راحي بَقايا مِن حُطام


عادَني الوَجدُ إلى ليلي وكأسي المُترَعِ  

وسَعيرُ الحُبِ يُشقيني ويُشقي مَضجَعي  

ولَهيبُ الشَوقِ يَدعوني فهَل أنتَ مَعي؟


التأويل: 

همسات الغيب

يفتتح الشاعر نصه بصوتٍ داخلي غامض، همسات من ضمير الغيب، كأنها وحي شعري يوقظ الحواس ويثير الوجدان. 

الأماني تتحول إلى طيور محلّقة ترفرف فوق مضجعه، فيملأ ليله بالصور الحالمة، لكنه يعلن ضياعه بين الظنون والخيال، فلا يملك وعيًا ثابتًا.


عربدة الشوق

الشوق هنا قوة عاتية، يعربد في داخله بلا رحمة. 

كلمة "عربدت" تدل على أن الشوق ليس عاطفة هادئة بل عاصفة مدمّرة. 

الذكريات تأتي متوالية، لكنها ليست باهتة، بل تحمل عبق الحب القديم، فيزيد الوجد اشتعالًا. الغرام الذي عاشه في الماضي قد انطوى، لكنه يظل حاضرًا في الذاكرة كصفحة مطوية لا تُمحى.


فقد الحبيب والطبيب

يبوح الشاعر بفقدٍ مضاعف: الأحلام، الحبيب، والطبيب الذي كان يداوي جراحه. 

حتى هذا الطبيب لم يعد موجودًا، وكأن الفقد شمل كل ما يمنحه السلوى.  

كل شيء مضى، وكل الناس أصبحوا غرباء، حتى هو نفسه غريب عن ذاته.


كأس الغرام وأشباح الظلام

بينما يغرق السمار في نشوة الغرام، يبقى الشاعر الصاحي يرى أن النور نفسه قد امتلأ بأشباح الظلام. 

إنها مفارقة الوعي الذي لا ينام، حيث يصبح الإدراك عبئًا لا راحة فيه. 

حتى كأسه لا تحمل نشوة، بل مجرد بقايا من حطام، كناية عن خيبة الأمل وانكسار الروح.


سعير الحب ولهيب الشوق

الوجد يعيده إلى ليله الموحش، وكأسه المترع لا يسكب فرحًا بل يفيض بالأسى. 

الحب هنا ليس نعمة، بل سعير يحرقه ويشقي مضجعه، فلا يجد راحة في نوم ولا في يقظة. والقصيدة تبلغ ذروتها بهذا النداء: الشوق لهيب يدعوه، لكنه يظل سؤالًا معلقًا للحبيب الغائب، سؤالًا بلا جواب.


خاتمة

رحم الله الشاعر محمد محمد علي، فقد ترك لنا نصوصًا غنائية متفرّدة، تحمل في طياتها إشراق الروح وصدق العاطفة، وتضع المتلقي أمام تجربة وجدانية نادرة، تظل شاهدة على عبقريته وخلوده في وجدان الأدب السوداني والعربي.

 

الإسكندرية 30 يونيو 2026م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9775
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.