عواقب انسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا: أزمة اقتصادية تتخطى الحسابات العسكرية
في الوقت الذي تستعد فيه واشنطن لسحب ما لا يقل عن 5 آلاف جندي أمريكي من الأراضي الألمانية خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، تحذر وكالة بلومبرغ من أن تداعيات هذه الخطوة لن تقتصر على البعد الدفاعي والاستراتيجي، بل ستمتد لتصيب الاقتصاد الألماني في مقتل، وتحديدًا في البلدات الصغيرة التي بنت اقتصادها المحلي بأكمله على الوجود العسكري الأمريكي.
أرقام الوجود الأمريكي في ألمانيا
يستضيف التراب الألماني نحو 37 ألف جندي أمريكي في خدمة دائمة، ما يجعل ألمانيا ثاني أكبر موقع لانتشار القوات الأمريكية في الخارج بعد اليابان. ويتوزع هذا الوجود على منشآت محورية أبرزها قاعدة رامشتاين الجوية الضخمة التي تضم أكبر منشأة طبية عسكرية أمريكية خارج الولايات المتحدة، إضافة إلى الحامية العسكرية في بافاريا، ومقر القيادة الأمريكية لأوروبا وأفريقيا في مدينة فيسبادن.

لكن المعادلة، بحسب بلومبرغ، لا تتعلق بالعسكريين وحدهم، بل تمتد إلى عائلاتهم وموظفي الخدمات المرتبطين بالقواعد، وهم فئة تستأجر المساكن، وتستهلك من البنية التحتية المحلية، وتُسهم في خلق فرص العمل وتشغيل الاقتصادات الصغيرة في البلدات المضيفة.
بلدة فيلزيك.. نموذج مصغر للأزمة القادمة
تتجسد هذه الهشاشة بوضوح في بلدة فيلزيك الصغيرة شمال بافاريا، القريبة من الحدود التشيكية وخط الستار الحديدي السابق، والتي تستضيف الفوج الثاني للفرسان التابع للجيش الأمريكي، بقوام يقارب 5 آلاف جندي مدربين على النشر السريع والقتال بالمركبات المدرعة، فضلًا عن دورهم في اختبار منظومات الطائرات المسيّرة.

عمدة البلدة، تورستن غريدلر، الذي لم يكمل بعد أسبوعه الأول في المنصب، علم بالتهديد من أحد الصحفيين خلال أول مؤتمر صحفي له. ويقدّر المسؤولون أن رحيل الفوج، مع أفراد عائلاتهم، قد يعني خروج ما بين 12 و13 ألف شخص من بلدة لا يتجاوز عدد سكانها الأصليين نحو 6500 نسمة، أي أن العدد المغادر قد يبلغ ضعف عدد السكان المحليين.
وتشير التقديرات إلى أن الوجود الأمريكي يضخ في اقتصاد المنطقة أكثر من 800 مليون دولار سنويًا، فيما يرى أحد أصحاب الأعمال المحليين أن ثلاثة من كل أربعة سكان في فيلزيك قد يفقدون مصدر رزقهم إذا نُفّذ القرار بالكامل.
في مدينة فيسبادن أيضًا، التي تستضيف مقر القيادة الأمريكية ويرتبط بها نحو 23 ألف شخص بين جنود وموظفين مدنيين وأفراد عائلات، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بالفعل؛ إذ باتت الشقق التي كان الأمريكيون يستأجرونها لسنوات تبقى شاغرة لأشهر، في مؤشر مبكر على أن التهديدات السياسية تترجم فعليًا إلى اضطراب في سوق العقارات المحلي.
درس تاريخي لم يُنسَ
تستحضر بلومبرغ تجربة ألمانيا السابقة مع الانسحاب الأمريكي الواسع عقب سقوط جدار برلين عام 1989، حين شهدت البلديات المتضررة انخفاضًا في إيراداتها بلغ نحو 9%، فيما لا يزال الأثر السلبي على سوق العمل محسوسًا في بعض تلك المناطق حتى اليوم. وتحذر الدراسات من أن الأثر يكون أشد وطأة في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل كبير على القواعد العسكرية، وهو ما ينطبق تمامًا على وضع فيلزيك والمناطق المحيطة بها في بافاريا.

توقيت الأزمة يفاقم من خطورتها
يشدد التقرير على أن هذا التهديد يأتي في لحظة اقتصادية بالغة الحساسية بالنسبة لألمانيا، التي تدخل عامها الرابع على التوالي دون نمو يُذكر، وسط ركود مستحكم تغذيه كلفة الطاقة المرتفعة، الناجمة عن التخلي عن الموارد الروسية عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، وتفاقمت لاحقًا مع التصعيد العسكري في الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.
ردود الفعل الألمانية
على المستوى السياسي، دعا حاكم ولاية بافاريا، ماركوس زودر، الحكومة الفيدرالية في برلين إلى الضغط بجدية على واشنطن للتراجع عن القرار، مقترحًا أن يتولى الجيش الألماني نفسه أي قواعد قد يخليها الأمريكيون حفاظًا على البنية الدفاعية القائمة.
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع تسعى فيه ألمانيا لبناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا، وإحياء نقاش الخدمة الإلزامية، وهو ملف حساس لبلد تبنّى نزعة سلمية راسخة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وفي محاولة لتهدئة التوتر مع الجانب الأمريكي، لجأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى لفتة رمزية خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا مؤخرًا، حين أهدى الرئيس دونالد ترامب قميص المنتخب الألماني لكرة القدم يحمل اسمه.
يبقى مصير القرار مرتبطًا بمراجعة شاملة يجريها وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، من المتوقع أن تكتمل قرب نهاية العام الجاري. وبينما يشكك بعض السكان المحليين في جدية التهديد، مستحضرين تجارب سابقة لم تكتمل خلال الولاية الأولى لترامب، يبدو أن حالة عدم اليقين وحدها كافية لإحداث أضرار اقتصادية مبكرة في البلدات الألمانية التي نسجت اقتصادها حول الوجود الأمريكي على مدى عقود.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك