من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

منذ ١٩٧٢ تلاعبو في أيونات الإنسان خلال تردد الراديو

القاهرة : خالد شحاتة
منذ ١٩٧٢ تلاعبو في أيونات الإنسان خلال تردد الراديو


​التلاعب بالبشر أم فيزياء الفضاء؟ تفكيك الحقيقة الغائبة في تقرير مجلة "New Scientist" لعام 1972

​تداولت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً صورة مقتطعة من أرشيف مجلة "نيو ساينتست" (New Scientist) البريطانية العريقة، يعود تاريخ صدورها إلى 10 أغسطس 1972 (العدد 808، المجلد 55).

وقد أُرفق بالصورة المأخوذة من الملف المرفق تعليق مكتوب بخط عريض باللغة العربية يدّعي أنه: "منذ 1972 تلاعبوا في أيونات الإنسان من خلال تردد الراديو.. الأيونات عند الإنسان".

​أثار هذا المنشور موجة من الذعر والجدل بين المستخدمين، وسرعان ما غُلّفت الصورة بطابع المؤامرة والتحكم البيولوجي عن بُعد.

 لكن وحدة التدقيق العلمي في موقع "نقاش الإخباري" قامت بالرجوع إلى الأرشيف المفتوح للمجلة البريطانية، وقرأت النص الأصلي للتقرير السري المرفوع عنه الحظر حينها، لتكشف عن فجوة لغوية وعلمية هائلة بين ما قاله العلم وما روّجت له الشائعات.

​أولاً: الخديعة اللغوية.. كيف تحول "الغلاف الجوي" إلى "جسم الإنسان"؟

​تكمن العقدة الأساسية في هذه الشائعة في الترجمة الحرفية الخاطئة والمضللة لمصطلح علمي فلكي. المقال الأصلي المكتوب بقلم الدكتور "ويليام أوتلاوت" (Dr. William Utlaut)—نائب مدير معهد علوم الاتصالات اللاسلكية التابع لوزارة التجارة الأمريكية في بولدر، كولورادو—يحمل عنواناً لا يقبل التأويل:

"تعديل الأيونوسفير بواسطة موجات الراديو" (Modifying the ionosphere with radio waves).

​كلمة "Ionosphere" تعني لغوياً وعلمياً "الغلاف الأيوني للأرض"، وهو نطاق يمتد في أعالي الغلاف الجوي على ارتفاع يتراوح بين 150 و350 كيلومتراً فوق سطح كوكبنا.

في هذه الارتفاعات الشاهقة، تتسبب الأشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس في تأيين جزيئات الغازات (مثل الأكسجين والنيتروجين الذري)، مما يخلق طبقة كثيفة من الإلكترونات الحرة والأيونات.

​مروجو الشائعة على وسائل التواصل الاجتماعي اقتطعوا الكلمة، وظنوا (أو تعمدوا إيهام العامة) أن كلمة "أيونوسفير" تعني "أيونات الإنسان"، مستغلين تشابه الجذور اللغوية لكلمة "أيون"، لبناء قصة مفبركة بالكامل عن التحكم في خلايا البشر بيولوجياً، وهو أمر لا يمت للمقال أو للفيزياء بأي صلة.

​ثانياً: ماذا حدث فعلياً في كولورادو عام 1972؟ (بيانات من صلب الوثيقة)

​بالتعمق في تفاصيل التجربة التي سردها الدكتور "أوتلاوت" في مقالة عام 1972، تبرز الحقائق التقنية التالية التي تدحض أي أثر بيولوجي:

​المنشأة والهدف: أُجريت التجارب في منشأة خاصة تُدعى "بلاتفيل" (Platteville) التابعة للحكومة الأمريكية في ولاية كولورادو.

كان الهدف منها دراسة "فيزياء البلازما" وكيفية تفاعل موجات الراديو الاصطناعية عالية الطاقة مع الإلكترونات الطبيعية الحرّة في الفضاء، لتحسين جودة الاتصالات اللاسلكية العابرة للقارات والملاحة العسكرية المدنية.

​طبيعة التأثير (مؤقت ومحدود): يذكر المقال نصاً أن التعديل الذي طرأ على الغلاف الجوي كان "تعديلاً مؤقتاً" (Temporary fashion).

وبمجرد إغلاق أجهزة البث الأرضية، تعود طبقة الأيونوسفير إلى حالتها الطبيعية المستقرة خلال ثوانٍ معدودة نتيجة عمليات إعادة الاتحاد الطبيعية للجزيئات.

​طاقة البث الضخمة:

استخدمت التجربة مصفوفة هوائيات ضخمة تبث طاقة تُقدر بنحو 100 ميجاوات (100MW) وجهت عمودياً وبشكل مستقيم نحو السماء. يشرح المقال أن هذه الطاقة الضخمة عندما تصطدم بالغلاف الجوي العلوي تؤدي إلى "تسخين أومي" (Ohmic heating) يعجل من حركة الإلكترونات ويرفع حرارتها مؤقتاً.

​تشبيه الليزر والميكروويف: لتبسيط الأمر للقراء في عام 1972، شبّه التقرير ما يحدث في الفضاء بما يحدث داخل مختبرات فيزياء البلازما عند استخدام أشعة الليزر أو موجات الميكروويف لتسخين الغازات وتأيينها، وهو تفاعل فيزيائي بحت بين موجة وطبقة غازية نادرة على مسافة مئات الكيلومترات من البشر.

​ثالثاً: السياق التاريخي والجيوسياسي (الحرب الباردة والاتصالات)

​لفهم سبب كتابة هذا المقال عام 1972، يجب قراءته في سياق "الحرب الباردة" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. في تلك الحقبة، لم تكن الأقمار الصناعية متطورة أو منتشرة بكثرة كما هي الآن. كانت الاتصالات العسكرية بعيدة المدى تعتمد كلياً على ارتداد موجات الراديو من طبقة الأيونوسفير لتخطي انحناء الأرض.

​وكانت العواصف الشمسية والاضطرابات الجوية تؤدي أحياناً إلى انقطاع كامل للاتصالات العسكرية. لذلك، سعى العلماء من خلال تجارب "بلاتفيل" إلى معرفة ما إذا كان بإمكان الإنسان صياغة "مرآة راديوية اصطناعية مؤقتة" في السماء للتحكم في مسارات البث اللاسلكي وضمان عدم انقطاعه في حالات الطوارئ. هذه التجارب التاريخية شكلت لاحقاً الحجر الأساس لمشاريع أكثر حداثة مثل مشروع HAARP الشهير في ألاسكا، والذي يقع بدوره ضحية لنفس النمط من نظريات المؤامرة.

​رابعاً: لماذا تستمر "فوبيا الترددات" في خداع الجماهير؟

​يُرجع خبراء علم النفس الاجتماعي والاتصال الإعلاني استمرار نجاح هذه الشائعات إلى تكتيك "الإسناد العلمي المزيف". فعندما يرى القارئ العادي قصاصة من مجلة علمية حقيقية ورصينة مثل "New Scientist"، وبها مخططات بيانية ومعادلات فيزيائية معقدة (مثل تلك الظاهرة في الملف  المرفق يصاب بنوع من "الانبهار بالوثيقة".

​هذا الانبهار يجعله يتقبل التفسير العربي المكتوب فوقها دون محاولة قراءة النص الإنجليزي أو ترجمته بصورة صحيحة. مستغلي هذه الظاهرة يعلمون أن قلة من الناس ستبحث وراء أصل المصطلح العلمي (Ionosphere)، مما يسهل تمرير فرية "التحكم في عقول وأجساد البشر عبر موجات الراديو".

​إن المقال المنشور عام 1972 في مجلة "New Scientist" هو وثيقة علمية تاريخية تفخر بها فيزياء الفضاء والاتصالات اللاسلكية، ولا علاقة له بالبيولوجيا البشرية أو الأيونات داخل جسم الإنسان من قريب أو بعيد.

​ويشدد موقع "نقاش الإخباري" على قرائه ومتابعيه في مصر والعالم العربي، بضرورة التسلح بالوعي النقدي، وعدم الانجراف وراء العناوين البراقة المترجمة عمداً بشكل خاطئ على منصات التواصل. إن حائط الصد الأول ضد التجهيل ونشر الذعر هو العودة دائماً إلى أهل التخصص والمصادر العلمية المحققة.

​#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9819
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.