"روزغاردن".. أول دليل مطبوع لتوليد النساء يكشف أسرار القابلات في أوروبا القرن السادس عشر
طقوس الولادة في أوروبا قديما
تحتفظ المكتبات الأوروبية بنسخ نادرة من أحد أهم الكتب في تاريخ الطب النسائي، وهو "روزغاردن" (حديقة الورد) الذي ألّفه الطبيب الألماني أويخاريوس رويسلين عام 1513، ليصبح أول كتيّب مطبوع في التاريخ يُخصَّص لتدريب القابلات وتوجيه النساء الحوامل.
من الإهمال إلى التأليف
كان رويسلين، المولود نحو عام 1470، يعمل صيدلانيًا في فرايبورغ قبل أن يُنتخب طبيبًا لمدينة فرانكفورت عام 1506، ثم انتقل للعمل في خدمة كاثرين، زوجة دوق براونشفايغ-لونيبورغ، في مدينة فورمس. وخلال إشرافه على عمل القابلات في المدينة، لاحظ أن ممارستهن لمهنتهن كانت متخلفة ودون المستوى المطلوب، مما أدى إلى ارتفاع معدلات وفيات الرضّع ،ودفعه ذلك إلى تأليف كتابه الذي طُبع أول مرة في ستراسبورغ.
وتكشف أبحاث حديثة أن النص لم يكن من تأليف رويسلين بالكامل، بل استند إلى نص ألماني كان متداولًا في مخطوطات منذ عام 1494 على الأقل، وهو بدوره مستمد من الفصول التوليدية في كتاب طبي لاتيني للطبيب الإيطالي ميكيلي سافونارولا .
وبالرغم من ذلك، فإن الطبعة المطبوعة لعام 1513 هي التي منحت هذا التراث الطبي انتشارًا غير مسبوق في أوروبا.
أول رسوم مطبوعة لكرسي الولادة
يتميز الكتاب بكونه أول عمل يقدّم رسومًا توضيحية مطبوعة لكرسي الولادة، وغرفة النفاس، وأوضاع الجنين داخل الرحم ، وهي الرسوم التي أنجزها الفنان مارتن كالدنباخ، أحد تلاميذ ألبرشت دورر. وتُظهر الصورة المرفقة من إحدى طبعات "روزغاردن" مشهدًا نموذجيًا لغرفة ولادة، حيث تجلس القابلة أمام المرأة الحامل على كرسي الولادة التقليدي، بينما تقف مساعدة خلفها لإسنادها، في تجسيد بصري لما وصفه النص من كون الولادة "طقسًا نسائيًا خالصًا" لا يحضره الرجال.
ويصف النص الألماني القديم – بحسب الترجمات المتاحة – دور القابلة بأنها كانت تجلس أمام المرأة التي في حالة مخاض، تراقب حركة الجنين بدقة، ثم تدهن يديها بزيت اللوز أو زيت الزنبق الأبيض لتوجيه عملية الخروج "بحسب ما تقتضيه الحاجة"، مع تدخل يدوي لتصحيح وضعية الجنين عبر جدار البطن إن تعسّرت الولادة، إلى جانب تدليك البطن وتشجيع الأم على التنفس والتحمل.
مصدر إضافي: الأطباء لا القابلات
من المفارقات اللافتة أن الكتاب، رغم كونه موجهًا للقابلات، يحمل نبرة سلبية تجاه القابلات والأمهات لصالح علم ولادة يقوده الرجال ، إذ يتهم رويسلين في مقدمته الشعرية القابلات بالإهمال الذي "يهلك الأطفال في كل مكان"، محذرًا إياهن من أن الله سيحاسبهن على تقصيرهن.
انتشار واسع استمر قرونًا
حقق "روزغاردن" نجاحًا استثنائيًا، إذ مرّ بنحو مئة طبعة بخمس لغات مختلفة، ما جعل رويسلين المرجع الأوروبي الأول لتعليم القابلات لما يقارب 250 عامًا .
كما حصل الكتاب على امتياز نشر (ملكية فكرية) من الإمبراطور مكسيميليان عام 1513، واستمر تداوله في طبعات متلاحقة حتى عام 1730 .
وقد تُرجم لاحقًا إلى اللاتينية على يد نجل المؤلف عام 1532، ثم إلى الإنجليزية والفرنسية والهولندية وغيرها من اللغات الأوروبية.
دلالة تاريخية
يمثل "روزغاردن" نقطة تحوّل في تاريخ الطب: فهو ثالث نص توليدي فقط في الغرب عبر ألف عام يخاطب القابلات مباشرة، لكنه في الوقت نفسه أرسى الأساس لتحوّل لاحق سيطر فيه الأطباء الذكور تدريجيًا على مجال كان حكرًا على النساء لقرون. وبين الرسوم الخشبية الدقيقة والنصوص الإرشادية العملية، يبقى الكتاب شاهدًا على كيفية توثيق المعرفة الطبية الشعبية وتحويلها إلى علم مطبوع في فجر عصر الطباعة الأوروبي.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك