من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

معول لبناء العالم

كتبت: د. سميرة أبوطالب
معول لبناء العالم


 تتسع دلالة العنوان الذي اختاره الدكتور "أحمد لطفي رشوان" في كتابه "معول لبناء العالم"، للتعبير عن آلية مهمة يمكن من خلالها مقاربة الواقع الإبداعي الراهن، وإن قيدها المؤلف بعنوان فرعي هو" جدل البنية والدلالة في شعر السبعينيات" على اعتبار أن تجربة السبعينيات في الشعر هي تجربة مفصلية في حركة الشعر الحديث، تفاعل فيها شعراء تلك الفترة مع تغيرات جذرية متلاحقة كانت لها تأثيراتها على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالتبعية الثقافي، لنجد أن اختيارتهم الفنية التي حكمت تشكيل قصائدهم، انطلقت من وعي حقيقي بمعطيات الشكل الجديد، لا الرغبة في التجريب فحسب. وإذا كانت اللغة هي محور اهتمام شعراء السبعينيات، وبها، ومعها، كان تشكيل عالمهم الشعري من خلال الكلمة ومن وحدتها الأصغر، التي هي الحرف، فإن كتاب "معول لبناء العالم" يذهب خلف هذا العالم الشعري ليتحرى كينونة تلك التجربة، وهل كانت تجربة شكلية وضربا من ضروب المغامرة أم أن هذا الشكل يحتوي على مضمون عميق لابد من الالتفات إليه؟ ثم ماذا عن القضايا الكبرى ودرجة حضورها في قصائد تلك الفترة؟ هل كانت غائبة بالكلية؟أم اتخذ التعبير عنها نمطا مغايرا؟ وماذا عن التقنيات الجديدة التي استخدمها شعراء تلك الفترة؟ هل كانت قادرة على تقديم جماليات جديدة تسهم في انتاج دلالة النص الشعري؟.



 إن ذات الأسئلة يمكن طرحها بشكل كبير في مقاربة أنماط جديدة من الإبداع طالتها يد التجريب، لنجد أننا أمام أشكال غير معهودة في القصة والرواية والمسرح- باختلاف درجة حضورها على ساحة الإبداع والاهتمام بها- بل ذات الحاجة التي دفعت شعراء السبعينيات للبحث عن صوتهم الخاص وسط تغييرات متلاحقة، هي أشد إلحاحا اليوم مع تعدد الوسائط والتأثيرات التي تطال الإبداع في كل جوانبه، فضلا عن تغير مفاهيم كثيرة في عملية الانتاج والتلقي الإبداعي. وإذا كان الدكتور" أحمد لطفي رشوان" في مؤلفه الجديد يستقي منهجية عمله في هذا الكتاب مما استند إليه شعراء السبعينيات أنفسهم في تقديم منجزهم الإبداعي عبر تفكيك السائد وإعادة بناء رؤية خاصة ومفهوم خاص، فإن عملية "التفكيك وإعادة البناء" تلك هي أساس النظرة الجديدة التي يمكن من خلالها استحضار مواطن القوة التي ينبني عليها النص الإبداعي في اتجاهاته المختلفة، ومن ثم اختبار قدرته على البقاء والصمود. 

 وقد تضمنت منهجية المؤلف في هذا الكتاب، عدة مسارات استطاعت أن توفي الغرض منها، وتطرح النموذج الذي يمكن الاعتداد به في تقديم مقاربات أخرى عن إبداعات مغايرة؛ إذ عبر فصوله الثلاث التي اشتبك فيها مع التجربة الشعرية لشعراء السبعينيات، لم يغفل الانتقادات التي طالت تلك التجربة، ولم يذهب بالكلية مع مناصريها، بل كان النص هو السبيل لتقديم حوار هادئ حول ما قدمته تلك التجربة على صعيد اللغة والموسيقى والصورة الشعرية، مؤمنا أن الناقد مطالب بمتابعة الإبداع واستيعابه واستنباط القوانين المنظمة له من خلال النصوص الإبداعية، وأن عدم قبول أي شكل من أشكال الكتابة الإبداعية لا يعطي المتلقي الحق في نفي هذا الشكل أو إلغائه، كما أن الرفض لا يعفي الناقد المتخصص من مسؤولية الإلمام المعرفي، ومساءلة الإبداع الذي قدمه هذا الشكل بحثا عن إيجابياته وسلبياته بهدف البناء لا الهدم.

 ومن هذا المنطلق، لم يتعامل الدكتور أحمد لطفي رشوان مع تلك التجربة، ككتلة واحدة، أو اختصرها في جماعتي "إضاءة 77" و" أصوات"، بل كانت رؤيته تنطلق من تقديم التجارب المستقلة التي أثبتت قدرتها على الاستمرار، وتقديم منجز إبداعي يتجاوب مع التغييرات ويستوعبها، وهو في هذه الرحلة مع شعراء السبعينيات، يمد عينا بصيرة إلى تلك الفروق التي تميز تجربة كل شاعر عن الآخر، بل التي تميز تجربة الشاعر نفسه عن تجربة أخرى له. وإذا كانت ثمة قواسم مشتركة بين شعراء تلك الفترة، فإن الخصائص المميزة لكل تجربة تجعل منها حالة إبداعية قائمة بذاتها، كما أن مفهوم الشعر والمواقف الجمالية التي ينطلق منها الشاعر لا تسير بذات القدر في اتجاهات كل شاعر، فقط "التجريب" هو الإطار الحاكم الذي يحشد الشاعر من خلاله كل قدراته وملكاته الإبداعية.  


 وكتاب "معول لبناء العالم"الذي اقتفى فيه الدكتور "أحمد لطفي رشوان" أثر هذه التجربة وموقعها في الإبداع العربي الحديث، لم يسائل الإبداع فقط، بل وضع الرؤى والتنظيرات النقدية على المحك، على اعتبار دورها المهم والفاعل في كشف مواطن القوة الإبداعية، والدفع بخطوات المبدعين للأمام؛ لذا، فإنه يعقد دوائر اتصال بين النقد، قديمه وحديثه، ليبرز مراحل تطور المفاهيم النقدية، وكيف استطاعت بعض المفاهيم زحزحة مفاهيم أخرى عن عرش سطوتها على التلقي العربي، تماما مثلما حدث مع بعض المفاهيم الإبداعية التى ارتبطت بسياق زمني معين، ثم انقضت بانقضاء هذا الزمن، أو تلك التي لم تصمد دلاليا في التعبير عن تجربتها، ليكشف أن الحركة هي أساس الإبداع، تماما مثلما هي الأساس في النقد، وأن كل جمود يطال أحدهما يأخذ من رصيده الكثير. وما يحسب لهذا الكتاب ليس فقط إعادة قراءة تجربة شعراء السبعينيات وفق أدوات جديدة للنقد، وقدرة على إقامة حوار هادئ مع تجربة مكتملة الملامح، بل أيضا تقديم رؤية بانورامية لتلك المساحات المشتركة والمتداخلة بين النقد والإبداع، وفتح القوس أمام تجارب أخرى دخلت إلى ساحتها تقنيات العصر الحديث، وبات النقد أمام تساؤلات أكثر إلحاحا عن مشروعيتها، وقدرتها على الاستمرار، بل على التجاوب مع معطيات الواقع والتعبير عن قضاياه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9851
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.