من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​"خلية النحل".. مرثية أدبية لـ مدريد الجريحة ما بعد الحرب الأهلية

القاهرة: خالد بيومي
​


الملحمة الروائية الأسبانية "خلية النحل"

تروي حكاية فترة الحرب الأهلية الأسبانية بكل ألم وحزن، شاء الخيال أن يخرجها من النسيان. 


​تظل الحروب الأهلية الندبة الأكثر غوراً في جسد الأوطان، ولا تتوقف مآسيها برحيل المدافع، بل تبدأ فصولها الأكثر قسوة في تفاصيل الحياة اليومية للبشر الذين كُتبت عليهم النجاة فوق الأنقاض. وفي هذا السياق، تقدم رواية "خلية النحل" (La Colmena) للأديب الإسباني الحائز على جائزة نوبل، كاميلو خوسيه ثيلا، وثيقة أدبية وتاريخية استثنائية ترصد ملامح العاصمة الإسبانية مدريد في أعقاب الحرب الأهلية التي مزقت البلاد.

​وفي نسختها المترجمة إلى العربية بقلم المترجم القدير مارك جمال، والصادرة عن منشورات تكوين بالتعاون مع مرايا، كما يظهر في غلاف الكتاب تعود هذه التحفة الأدبية لتفتح نافذة للقارئ العربي على مجتمع يعيد تشكيل نفسه وسط أجواء من الخوف والفاقة.

​مدريد: لوحة فسيفسائية لمدينة جريحة

​لا تعتمد الرواية على بطل أوحد أو حبكة تقليدية ذات خط درامي صاعد، بل تتضافر فيها مئات المشاهد اليومية العابرة والشخصيات المتداخلة لتشكل في مجموعها "البطل الجماعي" وهو مدينة مدريد نفسها.

​إنها صورة وافية لمدينة جريحة عانت ويلات الحرب، وترك الصراع في نفوس أبنائها وجدران شوارعها أثراً غائراً لا ينمحي.

‏الطابور الخامس 

  وظهرت فكرة  الطابور الخامس  وهي اسلوب سيكولوجي / حربي / نشأ في اسبانيا ابتكره جنرال اسباني كان احد ثلاث جنرالات شاركت بصورة فعالة في الحرب الاهلية الاسبانية بقيادة الجنرال فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 حيث هاجم العاصمة مدريد التي كانت تحت سيطرة الحكومة الجمهورية.

يتنقل ثيلا بكاميرته الروائية بين المقاهي المكتظة، الشوارع الباردة، والبيوت الضيقة، لينسج شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية المحطمة تحت وطأة الفقر والنظام الديكتاتوري الصارم لما بعد الحرب.

​"خلية النحل".. البشر كأرقام في مدينة تبحث عن الخبز


​يعكس العنوان ذاته الفلسفة التي بنى عليها الكاتب عمله؛ فالمجتمع المدريدي أشبه بـ "خلية نحل" يتحرك أفرادها في مسارات دائرية مغلقة، مدفوعين بغريزة البقاء وحدها.

​"الجميع يتحرك، والجميع يبحث عن قشة ليتشبث بها، لكن لا أحد يصل حقاً إلى بر الأمان."

​تعدد الأصوات والشخصيات: يزدحم العمل بأكثر من مائتي شخصية (من المفكرين المفلسين، بائعات الهوى، الموظفين الصغار، والمستفيدين من الحرب)، تلتقي مساراتهم وتتقاطع لتعبر عن الفقر المادي والاضطهاد النفسي.


​المقهى كمسرح بديل: تدور معظم الأحداث المفصلية داخل المقاهي (مثل مقهى دونا روزا)، والتي تحولت في ذلك الوقت من ملتقيات فكرية وثقافية إلى ملاذات هرباً من صقيع الشوارع، ومساحات لمراقبة الآخرين والهمس خوفاً من الوشاة.

​لغة نابضة بالواقعية القاسية

​امتاز أسلوب كاميلو خوسيه ثيلا بما يُعرف في الأدب الإسباني بـ "الواقعية المتطرفة" (Tremendismo)، حيث يسلط الضوء على الجوانب الأكثر قتامة وبؤسًا في الطبيعة البشرية دون تجميل. غير أن عبقرية الترجمة  استطاعت نقل هذه الروح القاسية بلغة عربية فصحى تتسم بالشاعرية والجزالة في آن واحد، مما حافظ على إيقاع الرواية الأصلي ونبضها الحي المليء بالمرارة والسخرية السوداء.

​خاتمة: درس التاريخ الذي لا يموت

​إن إعادة قراءة "خلية النحل" اليوم عبر موقع "نقاش" ليست مجرد استدعاء لعمل أدبي كلاسيكي حصل صاحبه على أرفع جائزة أدبية عالمية (جائزة نوبل)، بل هي قراءة في دفتر أحوال المدن التي تضربها النزاعات المسلحة. إنها صرخة إنسانية ضد الحرب، وتذكير دائم بأن الكلفة الحقيقية للصراعات لا تُقاس فقط بعدد القتلى، بل بتشويه مصائر الأحياء وتحويل المدن الحاضنة للثقافة إلى مجرد "خلايا" منسية تكافح من أجل البقاء.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9883
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.