من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

"حنتفرعن على الكورة".. كيف صنعت الثقافة صورة مختلفة للحضارة المصرية القديمة؟

بقلم الدكتورة: علا العبودي


مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، وعودة المنتخب المصري إلى أكبر محفل كروي عالمي بعد غياب، عاش المصريون حالة من الفخر والحماس، وهم يشاهدون منتخبهم يقف ندًا أمام كبار منتخبات العالم.

ولم يكن غريبًا أن تتسابق الشركات المصرية إلى إطلاق حملات دعائية تستلهم هذا الحدث، وكان من أبرزها الحملة التي قادها نجم الكرة المصرية محمد صلاح تحت شعار "حنِتفرعن على الكورة". 


ومع انتشار الحملة الواسع، فإن الشعار يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول الصورة الذهنية للحضارة المصرية القديمة في الوعي العام، سواء داخل مصر أو خارجها. 


بات لفظ "الفرٌعنة" يُستخدم للدلالة على القوة المفرطة أو التسلط أو فرض السيطرة. ويرتبط هذا الاستخدام في أذهان كثير من الناس بصورة فرعون الواردة في القرآن الكريم، بوصفه الحاكم الذي تجبر على قومه وعادى نبي الله موسى عليه السلام. وهكذا انتقل لفظ "الفرعون" من كونه لقبًا سياسيًا لملوك مصر القديمة إلى وصف يحمل دلالات سلبية في الخطاب اليومي. 


غير أن كلمة "فرعون" ارتبطت بالتاريخ المصري القديم لقرون طويلة، الذي تعاقب تحته عشرات الملوك الذين اختلفت شخصياتهم وإنجازاتهم وسياساتهم. فمن بين هؤلاء الفراعنة من كان قائدًا عسكريًا استثنائيًا مثل تحتمس الثالث، الذي وسع الإمبراطورية المصرية إلى أقصى حدودها. ومنهم من كانت ملكة عظيمة مثل حتشبسوت، التي حكمت بالعدل واهتمت بالتجارة مع إفريقيا. ومنهم رمسيس الثاني، البناء العظيم، صاحب المعاهدات السلمية التي تعتبر من أقدم المعاهدات الدولية في التاريخ. ولذلك فإن اختزاله في شخصية واحدة أو في دلالة واحدة يبتعد كثيرًا عن الحقيقة التاريخية. 


ولعل المشهد الأكثر إثارة للتأمل ظهر في مدرجات كأس العالم بالولايات المتحدة، حيث حرص عدد من المشجعين المصريين المقيمين هناك على التعبير عن هويتهم الوطنية من خلال ارتداء رموز مستوحاة من الحضارة المصرية القديمة. إلا أن هذه الرموز كشفت في الوقت نفسه حجم الفجوة بين التاريخ الحقيقي والصورة التي رسختها السينما الامريكية. 

فقد ارتدى بعض المشجعين أقنعة الإله أنوبيس الذي يظهر برأس ابن آوى الأسود. وقد أصبحت هذه الشخصية خلال العقود الأخيرة واحدة من أكثر الشخصيات المصرية القديمة حضورًا في الثقافة الشعبية الأمريكية، بفضل أفلام مثل The Mummy ، و Moon Knight، إلى جانب ألعاب الفيديو مثل Smite وAge of Mythology. ، كما تنتشر أقنعة أنوبيس في الولايات المتحدة تحديدا ضمن احتفالات الهالوين (ليلة جميع القديسين). وقد قدمت هذه الأعمال أنوبيس بوصفه رمزًا للرعب واللعنات القديمة، وهي صورة تختلف إلى حد كبير عن وظيفته الأصلية في العقيدة المصرية القديمة، حيث كان حامي للجبانة، والمشرف على التحنيط، وكان دوره الأبرز هو حضور "وزن القلب" أمام إلهة العدالة، ماعت ، حيث يُوضع قلب الميت في كفة وريشة العدالة في الكفة الأخرى، لتحديد ما إذا كان المتوفى مذنب ام يستحق التمتع بجنات الخلد، وهذا يختلف تمامًا عن الصورة الهوليوودية التي جعلت منه رمزًا للرعب. 


وما بين شعار "حنِتفرعن على الكورة" في الداخل، وأقنعة أنوبيس في مدرجات كأس العالم بالخارج، تتجلى حقيقة واحدة، وهي أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي، لكنها غالبًا ما تحضر من خلال صور أعادت الثقافة الجماهيرية تشكيلها، وليس من خلال فهمها التاريخي الصحيح. وهي ظاهرة يمكن تسميتها بـ "الاستشراق الرقمي"، حيث يعيد الخيال الغربي إنتاج الصور النمطية عن الشرق، ليس فقط في السينما، بل أيضًا في أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتعلم من هذا الأرشيف البصري المتراكم.

ففي القرن الـ19، سعى الفنانون الأوروبيون مثل جان ليون جيروم وأوجين ديلاكروا إلى تقديم الشرق بوصفه فضاءً مبهرًا وغامضًا ومحملاً بالفخامة، بما يتوافق مع الذائقة الجمالية الأوروبية آنذاك. 


وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية في إعادة تقديم الحضارة المصرية القديمة إلى الجمهورباعتبارها واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية التي أسست مفاهيم الدولة، والعمارة، والفنون، والإدارة، والطب، والكتابة. 

ولعل الأحداث الكبرى، مثل كأس العالم، تمثل فرصة ذهبية لإعادة تقديم الهوية المصرية بصورة أكثر دقة وإبداعًا، فيمكن استلهام عشرات الرموز الحضارية التي تعكس جوهر الحضارة المصرية، مثل قيم العدالة التي جسدتها ماعت، أو حتى شخصيات تاريخية ملهمة مثل تحتمس الثالث بوصفه رمزا للقيادة والإنجاز.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9885
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.