ذكريات من زمن فات
وصلت إلى رئاسة مصلحة السجون بالأزبكية، حيث يعقد مجلس التأديب، بعد رحلة سفر مرهقة، وهي قريبة من محكة السكة الحديد بالقاهرة، ومعي ملابسي الرسمية في حقيبة. استبدلتها في الغرفة المقابلة للمدخل.
في التاسعة والنصف وصل اللواء عليوة علام المحامي. وبقينا في تلك الغرفة الضيقة حتى امتلأت عن آخرها بالضباط المحالين لمجلس التأديب. وقال أحدهم إن هذه الجلسة مخصصة للنطق بالأحكام.
كان المحالون واجمين، ولا يتكلمون.
لم يحضر معنا ضباط الأقصر. في واقعة الأقصر الشهيرة
في الساعة العاشرة قادنا ضابط برتبة رائد، إلى الطابق التاسع. وكان هذا الضابط يختلف عن الضابط الذي كان في المرات السابقة. كان مفرطا في الأدب. ولا يتكلم كثيرا.
بقينا في الانتظار في الطابق التاسع حتى الساعة الثانية عشرة. ثم قادنا نفس الضابط إلى الطابق الثاني.
أدخلنا إلى أحد المكاتب. وبقي بعضنا بالخارج.
طلب أحد الضباط المحالين للتأديب كوب ماء من أحد حراس المكاتب، ليشرب.
غاب الحارس ولم يحضر.
شعرت بحاجتي لدخول دورة المياه. خرجت لأبحث عنها، ولاحظت أن كل الدورات مغلقة. وسألت أحد الحراس عن دورة مياه، أخبرني أن دورات المكاتب الضباط مغلقة وأشار إلى دورة مياه بعيدة.
كان أحد الضباط في الإدارة يسمعني. وعندما سمع الحارس وهو يرشدني إلى دورة المياه البعيدة. أمر حارسا غيره أن يفتح دورة المياه الخاصة بضباط الإدارة. وبالفعل فتحت دورة المياه. وعندما خرجت وجدت عدد كبير من الضباط المحالين يريدونها مثلى.
وفى تمام الساعة الواحدة نودى على أول المحالين. وكل من يدخل يخرج عابسا، دون أن يتكلم، ثم يتجه إلى الباب الرئيسي مباشرة ويخرج، دون أن نعرف ماذا حدث.
في الواحدة والنصف جاء شخص، سأل عنى. وعندما رآني طلب منى عدد خمس نسخ من الرواية.
استغربت الطلب، وأخبرني أن أحد أصدقاء سيادة المستشار عضو المجلس يريدها.
لم يكن معي أي نسخ منها،
دخلت وخلفي اللواء المحامي. وأخبرنا رئيس الجلسة انه تم استبدال اللواء / . . . . باللواء . . . وأنه لآجل هذا الأجراء يعيد فتح باب المرافعة من جديد وسألني عن الطلبات.
كرر له المحامي طلباتي السابقة وأخبرني أن الجلسة تأجلت إلى يوم 27سبتمبر لسماع الحكم.
وخرجنا.
. . .
وفى 26سبتمبر أتصل بي صحفي يتكلم اللغة العربية بصعوبة، وأخبرني أنه يدعى أندروهاموند. ويعمل في مجلة تصدر باللغة الإنجليزية أسمها كايرو نيوز. وطلب أن يأتي إلى في الصعيد ليجرى حوارا معي.
شعرت بنوع من الارتياب. فأنا لا أعرفه ولم أسمع عنه أبدا، وأخبرته أنه الأمر صعب، وأنني لازلت في الخدمة، وأنني لا أريد الإدلاء بأي أحاديث للصحافة. وأخبرني انه عرف أنني أحاكم الآن أمام محكمة خاصة بضباط الشرطة. وأنني لازلت أمارس عملي كضابط، وأضع رتبتي على كتفي وأقبض مرتبي كاملا غير منقوص. ولم يتخذ ضدي أي إجراء.
لم يقتنع وترك لي رقم تليفونه.
وفى 27سبتمبر 1998حضرت جلسة النطق بالحكم. لم يكن المحامي معي. وكان ترتيبي الخامس في الدخول. كنت في أقصى درجات الخوف.
كان نفس المنظر الذي تكرر في المرة السابقة من صعود إلى الدور التاسع. والبقاء في غرفة محاضرات، بها مقاعد لها مسند، وهي غير مريحة، ثم الهبوط إلى الدور الثاني، ثم الانتظار عند باب رئيس المجلس تحت اللافتة، وكان الانتظار قاسيا ومملا.
نودي على أول ضابط محال. دخل ومكث هناك مدة خمس دقائق. مرت كأنها ساعة. ترقبناه لحظة خروجه فخرج واجما. وقال أحد المحالين الواقفين قبلي:
- هذا الرجل صعب.
ولم نعرف من هو هذا الرجل، وسرعان ما نودي على الثاني، دخل ثم غاب لحظات وخرج متهللا، وقال ووجهه يضحك مرحا:
- براءة.
فرحنا لفرحه. وقال واحد من المحالين خلفي:
- إنشاء الله براءة, لنا كلنا.
ونودى على الذي قبلي. ودخل. وعندما خرج لم أكن متنبها إليه، وسرعان ما وجدت نفسي واقفا أمام اللجنة.
عم الصمت. وخيل إلى أن الكون قد تلاشي، ولم يعد فيه إلا هؤلاء، ولم أعد أسمع شيئا، وفجأة نادى رئيس الجلسة على أسمى قائلا:
- العميد حمدي عبد الله احمد البطران.
قلت:
- أفندم.
سكت ولم يتكلم، وبعد فترة قال:
- انتباه, ضم رجليك, إنتصب في وضع انتباه.
ولم أتحرك من مكاني. فقد كنت فعلا منتصبا في وضع انتباه.
وبدأ يقرأ من ورقة أمامه قائلا:
- إن الوزارة ملتزمة بسياسة الدولة في تعميق الديموقراطية وتوطيدها وكفالة حرية الرأي وتدعيمها طالما التزمت الشرع وحدودها، فلم ولن تصادر على رأى أو تقصف قلما إعلاء لسياسة الدولة وقائدها، بدليل عدم مصادرة رواية الضابط المحال أو منع نشرها، ولم تحرمه من وظيفته،
ولهذا قرر المجلس:
أولا: براءة الضابط المحال من الاتهامات المنسوبة إلية من الثاني إلى الأخير
ثانيا: أدانته في الاتهام الأول وهو نشر مؤلفة "يوميات ضابط في الأرياف "دون إذن الوزارة بذلك ومجازاته
بالوقف عن العمل لمدة شهر.
وسكت لحظه ثم صاح:
- انصراف.
خرجت، لا أنا سعيد ولا تعيس، وكأنني معلق في مهب الريح. وخيل إلى أنني أترنح. ولا قدرة لي على التركيز. ولست مستقرا، ولم ألتفت إلى أحد مثل الذين خرجوا قبلي، حتى وصلت إلى دورة مياه. استبدلت فيها ملابسي العسكرية بالملابس المدنية، ولم أفكر في شيء.
فقد شعرت أنني أتحرك مثل دجاجة مذبوحة وقفت على قدميها عقب ذبحها. وهي لا تدري أنها مذبوحة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك