من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

المناضل الجزائري العربي التبسي أذاب الاستعمار جثته لكن أفكاره باقية

خالد بيومي
المناضل الجزائري العربي التبسي أذاب الاستعمار جثته لكن أفكاره باقية


​"مثلي لا يصمت".. الشيخ العربي التبسي: العالم الذي أذابه الاستعمار في الزيت ولم يذوب تاريخه

​في تاريخ حركات التحرر الوطني، تظل هناك قصص تتجاوز حدود الخيال البشري في بشاعتها، لكنها تتحول إلى منارات تلهم الأجيال متعاقبة. ومن بين هذه الصفحات الخالدة، تبرز قصة الشيخ الجزائري العربي التبسي، العلامة والمجاهد الذي لم يحمل بندقية، بل حمل كلمات كانت أشد فتكاً بالمستعمر الفرنسي من الرصاص، فدفع حياته ثمناً لموقفه الصلب بطريقة تقشعر لها الأبدان.

​رحلة العلم والجهاد: من الزيتونة والأزهر إلى ساحات الثورة

​بدأت المسيرة العلمية للشيخ التبسي بتخرجه من جامع الزيتونة بتونس، قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة ليتلقى علومه ويصقل فكره التنويري في جامع الأزهر الشريف. وعقب انتهاء رحلته التعليمية، عاد إلى وطنه الجزائر كـ "السيف المسلول"، مكرساً حياته للإصلاح والتعليم وتوعية الأمة التي كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار.

​لم يكن الشيخ العربي التبسي يوماً شيخاً متقاعداً أو مهادناً، بل كان رجل ثورة حقيقي بفكره ومواقفه الشجاعة. وحين اندلعت الثورة التحريرية الجزائرية الكبرى، رفض التراجع أو المساومة أو الاختباء. ويُذكر له تاريخياً رده الحازم على من طالبوه بإصدار فتوى تحرم قتال المستعمر، حيث قال بثبات يزلزل القلوب:

​"لو كنت في شبابي، لأمسكت ببندقيتي وقاتلتكم أنتم، قبل أن أقاتل العدو!"

​الجريمة البشعة: عندما يذوب الجسد ويبقى الفكر

​أمام هذه الصلابة التي لا تلين، حاول المستعمر الفرنسي إسكاته بشتى الطرق؛ تارة بالترهيب وتارة بالوعيد، وكان شعارهم له "اصمت وابْقَ في بيتك، نرحمك!"، لكن رده الخالد كان دائماً: "مثلي لا يصمت... وإذا صمتُّ، ماتت الأمة!".

​ونظراً لخطورة كلماته التي كانت ترعب المدافع، قررت قوات الاحتلال التخلص منه نهائياً. وتسلل الجنود إلى بيته، واقتادوه من بين كتبه وسجادته ليختفي في مكان سري بعيداً عن الأعين. وهناك، أعدوا له أبشع وسائل التعذيب؛ حيث ملأوا قدراً ضخماً بـ الزيت المغلي الممزوج بالأسفلت.

​ساوموه على صمته مقابل حياته، لكنه ظل شامخاً كالجبل لا ينحني، فأنزلوه في القدر بهدوء شيطاني. غاب الجسد وصعدت الروح إلى بارئها شهيدة، ولم يُعثر له بعد ذلك على جثمان ولا على شاهد قبر.

​إرث حي لا يذوب

​أراد المستعمر الفرنسي عبر هذه الجريمة النكراء أن يجعل من الشيخ عبرة لمن يعتبر، فذوّبوه في الزيت ليختفي أثره، لكنهم لم يعلموا أنهم بذلك قد حفروا اسمه بحروف من نور ونار في ذاكرة التاريخ.

​اليوم، يبقى الشيخ العربي التبسي حياً في ذاكرة الأمة العربية والإسلامية، ومحفوراً في تراب الجزائر، في كل نخلة، ومسجد، وكل درس في العزة والكرامة. إنها ليست مجرد حكاية من الماضي، بل هي شهادة للتاريخ يجب أن تُعلم للأجيال القادمة لتدرك ثمن الحرية.

​رحم الله الشيخ العربي التبسي، وستبقى مواقفه منارة للأحرار.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9911
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.