الكتابة الإنسآلية
في العادة، يقوم الإنسان بالكتابة مستخدمَا أدواتها من أقلام، وورق، وأحبار، وإليه ينسب ما كتبه، ويكون هو المسؤول أمام الناس عما يحتويه من معان وأفكار. لكن شهدنا مع تقدم التكنولوجيا الرقمية ووسائل الاتصالات، وظهور الذكاء الاصطناعي نوعًا من الكتابة تختلف عن الكتابة المعروفة؛ إذ تتولى الآلة الإلكترونية الكتابة بسرعة فائقة وبإتقان ودقة، بتوجيهات من الإنسان. هذا النوع من الكتابة الذي يخطفه الإنسان من الآلة خطفًا يمكن أن نطلق عليه الكتابة الإنسآلية نحتًا من الكلمتين: "الإنس"، و"الآلة".
يتميز هذا النوع من الكتابة بسرعة الإنجاز، ففي وقت قصير يكون لديك رواية، أو ديوان شعر، أو مسرحية أو غيرها. وهي كتابة تخلو من الأخطاء النحوية والإملائية، وأفكارها منظمة تحت عناوين واضحة، وتخضع لإيقاع واحد حطه السيل من عل. لا يظهر فيها، إذا كانت كتابة إبداعية، غير الصور المتتابعة، والمعاني العائمة، والألفاظ المنتقاة، والرموز المطلسمة.
وللتمثيل على هذه الكتابة طلبنا من الذكاء الاصطناعي تزويدنا بنص على شكل شعر تحت عنوان"مرايا"
لا تُسارعْ إلى الظنِّ إنْ خانتكَ المرايا
فقد يلبسُ الصدقُ أحيانًا ملامحَ الخفاء
ولا تُطفئْ مصابيحَ قلبكَ خوفًا
فكم من عابرٍ جاءَ وفي كفّيهِ بعضُ الضياء
تعلّمْ بأنَّ الحنانَ لا يُقاسُ بالصوت
وأنَّ القربَ لا يحتاجُ وعدًا ولا ادّعاء
فمن الناسِ من يمرُّ كجرحٍ عابرٍ
ومنهم من يبقى كدعاءٍ صامتٍ في السماء
ليس من السهل على القارئ أن يعاين هذه الكتابة ويتعرّفها، خاصة إذا كانت تحمل اسم مخلوق بشري يدّعي بأنه من صنعها، بل ربما ينبهر بقوة حبك جملها وسلامة لغتها، وإذا ما غرق في محاولة فك طلاسمها، فلن يجد غير الخواء واللامعنى. فما هي هذه المرايا الخائنة التي لا يُظن بها، وكيف يكون إخفاء الصدق في ظل الخيانة، وما علاقة إطفاء مصابيح القلب من الخوف، بمجيء عابر في كفيه الضياء..إلخ. إنها هلوسات من إنتاج هذا الكاتب العجيب الذكاء الاصطناعي، وليس من يظهر اسمه وتوقيعه في بداية العمل أو نهايته.
في الآونة الأخيرة رأينا كثيرًا من الكتابات الإنسآلية في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، كتابات إبداعية وكتابات نقدية لكتاب ونقاد معروفين. لقد مرت على مسؤولي التحرير دون أن يكشفوا أمرها، ربما لعدم قدرتهم على التمييز بينها وبين الكتابة البشرية، أو ربما تسرعوا في نشرها لمعرفتهم السابقة بأصحابها من الكتاب.
لا شك في أن شيوع هذا النوع من الكتابة يترك المجال للمتطفلين على الإبداع أن يصبحوا شعراء وروائيين، وينزوي المبدعون الحقيقيون عن الساحة الأدبية، وهم يرون تأثير الكتابة الإنسآلية في إضعاف المعاني، وضياع الأفكار، وجمود العواطف، وإفساد الذائقة الأدبية لدى الناس.
من الواضح أن موقفنا من الكتابة الإنسآلية لا يعني الدعوة إلى عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة من حيث جمع المعلومات، ومراجعة اللغة، وتصحيح الأخطاء النحوية والإملائية، بل يعني ألا نعتمد عليه اعتمادًا كليًّا في كتاباتنا، فنجعله يحل مكاننا، فيجمد عواطفنا، ويضعف عقولنا، ويتحكم بنا، ويسلب شخصيتنا.
لعل الحد من هذه الظاهرة يتطلب من مؤسساتنا التعليمية والثقافية والتربوية التنبه إلى مخاطر الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي، وخطورة جعله الكاتب الحقيقي في الكتابة عامة والإبداعية خاصة، كما من الضرورة دعوة وسائل الإعلام والمجلات الثقافية إلى عدم نشر هذا النوع من الكتابات الزائفة والجافة. ويحسن بمن يلجأ إليها أن يشير إلى الكاتب الأول لها وهو الآلة، ولا أظنه يفعل ذلك حتى لا يكشف سوء عمله.
في النهاية، نقول: إن الكتابة الإنسآلية تزحف بقوة لتزيح الكتابة البشرية من وجهها، ومن ثم طمس الشخصية الإنسانية وإحلال الألة مكانها. ولا يوقف هذا الخطر غير وجود نقاد أذكياء، ومؤسسات واعية، تعزز التفكير النقدي لدى الناس، وترتفع بوعيهم، وذائقتهم الجمالية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك