من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​علي شريعتي.. المفكر العصي على التصنيف

خالد بيومي
​علي شريعتي.. المفكر العصي على التصنيف


صوت الماضي الذي يفكك تعقيدات الحاضر

​رغم مرور قرابة نصف قرن على غيابه، لا يزال اسم المفكر الدكتور علي شريعتي (1933 - 1977) يتردد في الأوساط الثقافية والسياسية كأحد أبرز العقول التي حاولت تشريح بنية الفكر الإسلامي والواقع الاجتماعي. شريعتي، الذي رحل في سبعينيات القرن الماضي في ظروف غامضة وُصفت بالاغتيال، ترك خلفه إرثاً فكرياً عابراً للأجيال، يراه الكثيرون بمثابة "شهادات من الماضي لا تزال تحاكي تفاصيل واقعنا المعاصر".

​المفكر الحر.. خارج قوالب التصنيف التقليدية

​تكمن قوة ظاهرة علي شريعتي في أنه رجل عصيٌّ على التدجين أو التأطير؛ إذ لا يمكن لأي تيار سياسي أو ديني أن يحتكره أو يضعه داخل قالب أيديولوجي ضيق. هذا التمرد الفكري جعله، ولا يزال، شخصية مثيرة للجدل؛ فأفكاره لا تزال "طرية" وحاضرة بقوة في السجالات الثقافية الحالية، لما تحمله من نقد لاذع للمؤسسات التقليدية ورؤية تجديدية للدين والمجتمع.

​ثلاثية "المسجد" وسقوط الأبعاد التنويرية

​في قراءته للتاريخ الإسلامي الأولي، يعقد شريعتي مقارنة حادة بين ما كان عليه الإسلام وما آل إليه. ويرى أن المسجد في زمن الرسول (ﷺ) كان يرتكز على ثلاثة أبعاد أساسية:

​بُعد ديني: باعتباره معبداً للروح والاتصال بالخالق.

​بُعد تربوي: بوصفه مدرسة لرفع الوعي وبناء الإنسان.

​بُعد سياسي: بكونه برلماناً تُناقش فيه شؤون الأمة ومصيرها.

​ويتحسر شريعتي على الواقع الحالي بقوله إن المسجد المعاصر "أصبح قصرًا فخمًا.. ولكن بدون أبعاد"، مما أفقده دوره المحوري في قيادة الوعي المجتمعي، مستشهداً بعبارته الشهيرة: «إني أفضل المشي في الشارع وأنا أفكر في الله، على الجلوس في المسجد وأنا أفكر في حذائي».

​تشريح الفتنة الطائفية وتجارة الدين

​امتلك شريعتي رؤية استباقية لما تعيشه المنطقة اليوم من صراعات مذهبية؛ حيث فكك النزاعات الدينية مرجعاً إياها إلى جذور سياسية واقتصادية وليست عقائدية.

​"الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن، ولا من أجل العقيدة، بل هي معركة بين مصالح دول... ضحيتها العوام من السنة والشيعة".

​وفي سياق متصل، حذر بشدة من "تجار الدين" الذين يستغلون العاطفة الدينية للجماهير، مؤكداً أن الاستبداد المرتكز على عباءة الدين هو الأخطر، وأن هؤلاء التجار سيأتي يوم وتثور الشعوب عليهم، لكن الخوف الأكبر يكمن في أن "يذهب الدين ضحية لتلك الثورة" بسبب ممارساتهم.

​"الاستحمار" وسرقة وعي الجماهير

​من أعمق المفاهيم التي صاغها شريعتي هو مفهوم "الاستحمار"، والذي يعني تزييف وعي الشعوب وتوجيه اهتماماتها نحو قضايا فرعية لإلهائها عن قضاياها المصيرية والاستبداد الواقع عليها.

​ويلخص هذا المفهوم بمثال بليغ:

«عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله.. فاعلم أنها دعوة خائن! لأن الاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، هو الاستحمار.. وإن كان عملاً مقدساً».

​ويرى شريعتي أن غياب الوعي الثقافي والاجتماعي قبل أي تحرك جماهيري يؤدي حتماً إلى فشل المساعي التحريرية، معتبراً أنه إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة، فلا يلوموا أحداً حينما تُسرق ثورتهم.

​قرآن للأحياء.. لا للمقابر

​وفي دعوته لتجديد الفهم الديني، انتقد شريعتي تحويل النص الديني إلى طقوس جنائزية شكلية، معتبراً أن الأزمة الحقيقية للمنتسبين للإسلام منذ قرون لا تكمن في عدم تطبيق الإسلام، بل في "أننا لم نفهمه بعد"، مطلقاً صرخته الفكرية بضرورة إعادة القرآن الكريم مرة ثانية من القبور والتعازي إلى الحياة، وقراءته على الأحياء لا على الأموات.

​خاتمة

​يبقى علي شريعتي، بعد عقود على رحيله، مرآة تعكس أزمات العقل العربي والإسلامي المعاصر. إن إعادة قراءة أفكاره اليوم في "موقع نقاش" ليست مجرد استدعاء للتاريخ، بل هي محاولة لامتلاك أدوات نقدية قادرة على تفكيك ثنائيات الجهل والوعي، وتجارة الدين والتدين الحقيقي، في زمن يبدو فيه بحاجة ماسة إلى مثل هذه العقول الحرة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9948
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.