من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

​صدى جرجرة: "أفافا ينوفا" من دفء الموقد الأمازيغي إلى العالمية

الجزائر : " نقاش "
​صدى جرجرة:


​في أعالي جبال جرجرة المهيبة، حيث يعانق الضباب الكثيف قمم الصخور وتضرب الجذور العميقة لأشجار الزيتون العتيقة في أرض الجزائر، ولدت واحدة من أعمق أساطير التراث الأمازيغي وأكثرها شجناً؛ أسطورة "أفافا ينوفا" (يا أبي نوڤا). هذه الحكاية الشفهية التي تناقلتها الأجيال لم تكن مجرد قصة تُروى للأطفال لتبديد وحشة ليالي الشتاء القاسية، بل كانت مرآة حية تعكس صراع الإنسان مع قسوة الطبيعة، وتجسد قيم التضحية، الروابط الأسرية، والخوف من المجهول.

​تفاصيل الأسطورة: بين قسوة "الوحش" وأمان "الموقد"

​تدور الأسطورة حول الشيخ المسن "ينوفا" وابنته العذراء "غريبة"، اللذين يعيشان في كوخ صغير معزول وسط غابات جرجرة الكثيفة والمثلجة. في ظل الشتاء القارس والذئاب الجائعة التي تحيط بالمكان، تضطر "غريبة" للخروج يومياً لمواجهة الصقيع من أجل جلب الحطب وقوت يومها، تاركةً والدها العاجز في الكوخ الذي يغلق بابه بإحكام خوفاً من "الوحش" (الذي يرمز في الميثولوجيا الأمازيغية لقوى الشر أو الغدر).


​وحتى يتعرف الشيخ على ابنته عند عودتها دون أن يقع ضحية للوحش، اتفقا على شفرة سرية، حيث تطرق الباب وتغني بنبرة حزينة:

​"أفـافا ينـوفا.. افتح لي الباب يا أبي"

ليجيبها الأب بقلب يملؤه الخوف واللوعة:

"يا ابنتي غريبة.. أخشى غدر وحش الغابة"

​فترد مطمئنةً إياه بأن أساورها هي التي ترن، فيفتح لها الباب لتلتجئ الدار بـ "الكانون" (الموقد التقليدي)، حيث تجتمع العائلة حول دفء النار لتناول العشاء وتبادل القصص.

​من المحلية إلى العالمية: حنجرة "إيدير" التي خلدت الرمز

​ظلت هذه الأسطورة حبيسة المداشر والقرى المعلقة في جبال القبائل، حتى سبعينيات القرن الماضي. في عام 1976، قام الفنان الجزائري الراحل "إيدير" (حميد شريت) بالتعاون مع الشاعر محمد بن حنادوش، بتحويل هذه الكلمات الشفهية الشجية إلى أغنية حملت اسم "يا أبي ينوفا" (A Vava Inouva).

​لم تكن الأغنية مجرد عمل موسيقي، بل كانت ثورة ثقافية نقلت الهوية الأمازيغية والجزائرية إلى المحافل الدولية. وبفضل لحنها الدافئ المعتمد على قيثارة خشبية وصوت الفنانة "فضيلة"، تُرجمت الأغنية إلى أكثر من 15 لغة عالمية، لتصبح نشيداً إنسانياً يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، ويلامس مشاعر ملايين البشر الذين وجدوا في الأغنية حنيناً مشتركاً للوطن، والعائلة، والبساطة.

​أبعاد سوسيولوجية: كيف توثق الأسطورة نمط الحياة الأمازيغي؟

​يتجاوز تقرير "نقاش" البعد العاطفي للقصة ليتأمل في عمقها الاجتماعي؛ فالأسطورة تقدم توصيفاً دقيقاً لـ "ثقافة الموقد" في المجتمع الأمازيغي القديم. فبينما يمثل الخارج (الغابة، الثلج، الوحش) رمزاً للمخاطر والمجهول، يمثل الداخل (البيت، الأب، الموقد) رمزاً للأمان والاستمرارية الحياتية.

​كما تبرز القصة مكانة المرأة الأمازيغية (المرأة الحامية والمعيلة في ظروف قاهرة)، وفي نفس الوقت تسلط الضوء على طقوس السمر الشتوي التي كانت بمثابة المدرسة الشفهية الأولى لنقل القيم، والأخلاق، والتاريخ من الأجداد إلى الأحفاد.

و​اليوم، ورغم تغير ملامح الحياة في قرى جرجرة ودخول التكنولوجيا إلى كل بيت، لا تزال أسطورة "أفافا ينوفا" حية في الوجدان الثقافي الجزائري. إنها تذكير دائم بأن أصالة الشعوب تنبع من قدرتها على تحويل آلامها وقسوة بيئتها إلى فن خالد وعابر للزمان والمكان. ولعل السائر في دروب تيزي وزو أو البويرة في ليلة شتوية عاصفة، لا يزال يتردد في مسامعه صدى ذلك النداء العتيق: "أفافا ينوفا.. افتح لي الباب".

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

9957
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.