هندسة الشفاء في زمن الثورة: ندوة وطنية تسلّط الضوء على "المنظومة الصحية" لجيش التحرير وآفاقها حتى 2050
في لفتة وفاء وطنية تجمع بين عراقة التاريخ واستشراف المستقبل، وإحياءً للذكرى الـ64 لاستعادة السيادة الوطنية؛ نظمت "المؤسسة الجزائرية صناعة الغد" —التي يرأسها الوزير الأسبق للاستشراف والإحصائيات، البروفيسور بشير مصيطفى— ندوة علمية كبرى بعنوان "النظام الصحي للثورة التحريرية من رؤية استشرافية".
أقيمت الندوة بالمؤسسة الاستشفائية للتأهيل الوظيفي "ابن عكنون"، بالتنسيق مع مديرية الصحة لولاية الجزائر، لتعلن بذلك الانطلاقة الرسمية لبرنامج "منظومات اليقظة" وخطة عمل "خلية اليقظة الصحية" التي تأسست في مارس 2026 تحت إشراف الدكتور رشيد حميدي، المتخصص في الصحة العمومية، وذلك ضمن المرحلة العشرية الأولى للمؤسسة (2025 - 2034).
شهد اللقاء حضوراً نخبواً وازناً ضمّ أكاديميين، ومجاهدين، وأعضاء من السلك الطبي، وممثلين عن البرلمان، ومحامين، ورؤساء جمعيات ومنظمات وطنية، إلى جانب حشد من الإعلاميين والشعراء.
منصة المحاضرات: قراءات متقاطعة بين التاريخ والطب
تعاقب على منصة الخطابة كوكبة من المسؤولين والخبراء الذين أثروا النقاش، وفي مقدمتهم:
الأستاذ ماهر قنديل: الأمين العام لمديرية الصحة لولاية الجزائر.
الأستاذة حفصة زيدان: مديرة المؤسسة الاستشفائية للتأهيل الصحي.
البروفيسور مصطفى يعقوبي: رئيس مصلحة العظام بالمستشفى.
الدكتور رشيد حميدي: رئيس خلية اليقظة الصحية بالمؤسسة.
البروفيسور بشير مصيطفى: رئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد.
خمسة محاور ترسم خارطة الصحة بين الأمس والغد
استعرض البروفيسور بشير مصيطفى في محاضرته خمسة محاور جوهرية شكلت العمود الفقري للندوة:
الإشكالية الهيكلية: واقع العلاج، والتمريض، والإدارة الصحية، والتمويل، والتموين بالدواء إبان الثورة.
التلاحم الشعبي: صور المشاركة الواسعة لمختلف أطياف الشعب الجزائري في الثورة.
الجيش الأبيض الثائر: تضحيات الأسرة الطبية من أطباء وممرضين ومسعفين.
لغة الأرقام: قراءة وتحليل معطيات وإحصائيات المنظومة الصحية أثناء الكفاح المسلح.
استشراف المستقبل: واقع النظام الصحي الجزائري اليوم وآفاق تطويره بحلول عام 2050.
الثورة الصامتة: كيف قاوم الأطباء والممرضون؟
أكد مصيطفى أن الثورة التحريرية كانت ملحمة شعبية بامتياز، شارك فيها الجميع؛ من رجال ونساء وشباب وأطفال، سواء كأعضاء جيش التحرير، أو مسبلين، أو كقواعد خلفية ومخبرين، وحتى الجالية في دول الجوار والداخل الفرنسي.

وعلى الصعيد الطبي، أوضح أن مساهمة الأطباء والممرضين (الجزائريين والأجانب) بدأت حتى قبل اندلاع الثورة وتحديداً منذ عام 1948، وتطورت عبر محطات تاريخية حاسمة:
مرحلة التكوين الأولى في السلك الطبي ودورات الإسعاف بقيادة الكشافة الإسلامية الجزائرية.
دورات التكوين الطبي لجيش التحرير الوطني، وصولاً إلى إرساء منظومة صحية متكاملة مع اندلاع ثورة 1954.
المنعطف التاريخي عام 1956 إثر التحاق طلبة العلوم الطبية بالثورة.
تأسيس الحكومة المؤقتة عام 1958، والتي أنشأت "وزارة الشؤون الاجتماعية" لتنبثق عنها "الدائرة الصحية المدنية" برئاسة الدكتور مشيش.
الثورة في لغة الأرقام وأبرز رموزها
كشف رئيس المؤسسة عن إحصائيات تاريخية دالة، تعكس حجم التعبئة العلمية لصالح الثورة، ومنها:
في عام 1955: التحق 100 طالب جزائري بجامعة "مونبولييه" بفرنسا لدراسة الطب.
في عام 1957: بلغ عدد الطلبة الجزائريين في كليات الطب الفرنسية (مرسيليا، مونبولييه، تولوز، ليون، ليل، بوردو) نحو 307 طلاب.
إضراب 19 ماي 1956 التاريخي: شهد التحاق 28 طالب طب بصفوف الثورة (من بين 33 طالباً جامعياً)؛ حيث سخروا معارفهم في التكوين، التمريض، والإسعافات العسكرية.
كما استحضرت الندوة أسماءً بارزة تركت بصمة خالدة في المنظومة الصحية للثورة، من بينهم الأطباء والممارسون:
السعيد شيبان، أحمد عروة، رابح علوش، تيجاني هدام، يوسف الخطيب، رشيد بن عباجي، بلخيرة بن بوعلي، مصطفى قارة، محمد بن عربية، مصطفى بلوزداد، علي جباري، عبد الحفيظ بوصوف، والممرض لحرش مبارك (عن ولايات الجنوب الجزائري).
وفي سياق متصل، تميزت مشاركة الدكتور رشيد حميدي بعرض ربورتاج مصور تضمن شهادات حية ومؤثرة لأطباء (جزائريين وأجانب) عايشوا الثورة، سلط الضوء على جوانب خفية ومنسية من تاريخ الدعم الطبي لجيش التحرير.
مسك الختام: تكريم الرموز والإبداع
اختتمت الندوة العلمية الوطنية بالتأكيد على تلازم "اليقظة الصحية" و"الذاكرة التاريخية"، وشهدت الجلسة الختامية تكريم ثلة من الرموز التاريخية من أطباء ومجاهدين ومجاهدات، وفي مقدمتهم الأيقونة جميلة بوباشا. كما تم تكريم النخب الإبداعية والسياسية، وعلى رأسهم الشاعر قارة علي، والدكتورة فريدة عبري، الفائزة في الانتخابات التشريعية (جويلية 2026) وعضو الهيئة الاستشارية للمؤسسة الجزائرية صناعة الغد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك