السياحة العلاجية في ليبيا.. هل تتحول حمامات "الجغبوب" الرملية إلى وجهة إقليمية؟
تتمتع واحة "الجغبوب" الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي الليبي بمقومات طبيعية فريدة تؤهلها لتبوأ مكانة مرموقة على خارطة السياحة العلاجية العربية والإقليمية.
مابين الكثبان الرملية الذهبية والمناخ الجاف، يقبع سر الشفاء الطبيعي الذي يجذب سنويًا مئات الزوار الباحثين عن الاستشفاء من أمراض المفاصل والروماتيزم والآلام العضلية عبر "الحمامات الرملية" التقليدية.

وبالرغم من هذا التدفق المستمر، يظل السؤال قائمًا: هل تنجح هذه الواحة في التحول إلى وجهة إقليمية منظمة أم ستظل أسيرة الإمكانيات البدائية؟
الاستشفاء بالرمال: إرث تقليدي بفوائد طبية
تعتبر سياحة الحمامات الرملية في الجغبوب واحدة من أقدم وسائل الطب البديل والعلاج الطبيعي في المنطقة. حيث يعتمد العلاج على طمر جسد المريض بالكامل - باستثناء الرأس - في الرمال الساخنة تحت أشعة الشمس المباشرة خلال ساعات محددة من النهار، وهي عملية تُعرف محليًا بـ"الردم".

ويؤكد القائمون على هذه الحمامات أن الجمع بين حرارة الرمل العالية والمعادن الطبيعية التي تحتوي عليها التربة يساعد في تنشيط الدورة الدموية، وتخفيف الالتهابات المزمنة، وطرد السموم من الجسم عبر التعرق الكثيف. وتستقطب هذه الطريقة مرضى الروماتيزم، وعرق النسا، وآلاف الغضاريف، فضلاً عن الباحثين عن الراحة والاسترخاء العضلي.

"إن الخدمات الحالية المتاحة للزوار تعتمد بالأساس على إمكانات بسيطة وجهود محلية ذاتية، لكن الطموح أكبر بكثير من هذا الواقع المحدود."
— السوسي فتح الله السوسي، مدير حمامات الجغبوب الرملية في حديثه لـ"نقاش"
بنية تحتية متهالكة.. عائق أمام الطموح الإقليمي
رغم الإقبال المتزايد الذي تشهده الواحة مع مطلع كل فصل صيف، إلا أن الواقع الخدمي يفرض تحديات جسيمة تحول دون تحويل الجغبوب إلى منتجع علاجي دولي. تواجه الحمامات ضعفًا حادًا في البنية التحتية، ونقصًا في مرافق الإيواء والفنادق المؤهلة لاستقبال السياح، فضلاً عن غياب الاستراتيجيات التسويقية المنظمة على المستويين المحلي والدولي.

وتفتقر المنطقة إلى شبكات طرق برية مجهزة تسهل وصول المرضى وكبار السن من المدن الليبية البعيدة أو من الدول المجاورة مثل مصر وتونس، مما يجعل الرحلة شاقة وتتحول في كثير من الأحيان إلى مغامرة غير مضمونة العواقب لبعض الحالات الحرجة.
رؤية مستقبلية: مخيم علاجي متكامل ومراعاة لمحدودي الدخل
وفي حديث خاص لـ منصة "نقاش" الإخبارية، كشف مدير الحمامات، السوسي فتح الله السوسي، عن التطلعات المستقبلية لتطوير هذا القطاع، مشيرًا إلى أنهم يسعون بقوة لإنشاء مخيم علاجي متكامل الخدمات يضم عيادات متخصصة للإشراف الطبي، ووحدات سكنية مجهزة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.
وأضاف السوسي أن المشروع المقترح يضع في أولوياته البعد الإنساني والاجتماعي، حيث يستهدف خفض تكاليف العلاج والإقامة بشكل ملموس ليكون في متناول محدودي الدخل والفئات الهشة التي لا تقوى على السفر للخارج لتلقي العلاج الطبيعي المكلف.
حتمية التدخل الحكومي والاستثماري
يرى خبراء السياحة والاقتصاد في ليبيا أن تحويل واحة الجغبوب إلى مركز إقليمي للسياحة العلاجية يتطلب تضافر الجهود بين وزارة السياحة والصناعات التقليدية الليبية والقطاع الخاص. إن الاستثمار في إنشاء منتجعات بيئية وصحية متكاملة، مع توفير رعاية طبية مصاحبة لعلميات الردم الرملي، من شأنه أن يضع ليبيا بقوة على خارطة السياحة العالمية، ويوفر مصدرًا بديلًا ودائمًا للدخل القومي بعيدًا عن قطاع النفط.
وحتى تلتفت الجهات الرسمية لهذه الثروة المدفونة تحت رمال الجغبوب، سيبقى مئات المرضى يتوافدون على هذه الواحة، مستظلين بخيام بسيطة، وباحثين عن شفاء تصنعه الطبيعة وتحدّه قلة الإمكانيات.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك