حين تتحول اللعبة إلى قضية وطن... من سرق منا المعنى؟
هناك فرق كبير بين أن تشجع فريقًا... وأن تجعل نتيجة مباراة تحدد حالتك النفسية، وعلاقاتك، بل وحتى نظرتك إلى وطنك.
كرة القدم في أصلها رياضة، لكنها في أحيان كثيرة تتحول إلى شيء آخر تمامًا. تتحول إلى حالة من التعصب، والانفعال، والانقسام، حتى يصبح الفوز وكأنه نصر تاريخي، والخسارة وكأنها كارثة وطنية.
وهنا تبدأ المشكلة.
لا أفهم كيف يمكن لإنسان أن يختلف مع أقرب الناس إليه بسبب لون قميص أو اسم نادٍ أو منتخب. كيف يمكن لصديقين جمعتهما سنوات من المواقف الجميلة أن تفرقهما تسعون دقيقة داخل ملعب؟
أي منطق يقبل أن تهدم مباراة ما بنته الأيام؟
الأغرب أن هناك من يدفع ثمن هذه اللعبة من صحته وحياته. كم سمعنا عن أشخاص أصيبوا بأزمات قلبية بعد خسارة فريقهم؟ وكم رأينا مشاجرات انتهت بإصابات، وأسرًا دخلت في خلافات، وأصدقاء تحولوا إلى خصوم بسبب مباراة كان يفترض أن تكون وسيلة للترفيه لا سببًا للعداء.
وعندما يشعر الجمهور أن العدالة غابت، وأن القرارات لا تُحسم داخل الملعب فقط، بل تتداخل فيها مصالح وضغوط وحسابات أكبر، يصبح الإحباط مضاعفًا، لأن الناس لا تشعر أنها خسرت مباراة فقط، بل خسرت الإحساس بالإنصاف.
ثم هناك سؤال لا بد أن نسأله لأنفسنا:
كم ساعة نقضيها أمام مباراة؟ وكم ساعة نقضيها في تطوير أنفسنا أو تعلم مهارة أو البحث عن حل لمشكلة تؤرقنا؟
البعض يقول إن كرة القدم تُخرج الناس من ضغوط الحياة.
لكن الهروب المؤقت ليس علاجًا. فالمشكلات لا تختفي لأننا تجاهلناها، بل تنتظرنا، وقد تصبح أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الرياضة من وسيلة للمتعة إلى مقياس للكرامة، وأن يصبح انتصار فريق سببًا للشعور بالقيمة، بينما الإنجاز الحقيقي في الدراسة، والعمل، والبحث العلمي، والإنتاج، لا يحظى بالاهتمام نفسه.
الأوطان لا تتقدم بالأهداف التي تُسجل في الشباك، وإنما بالأهداف التي تتحقق في المصانع، والجامعات، والمختبرات، والمدارس.
استمتع بالمباراة... شجع فريقك... وافرح إذا فاز، واحزن قليلًا إذا خسر، فهذا أمر طبيعي.
لكن لا تمنح لعبة مهما كانت شعبيتها سلطة أكبر من حجمها، ولا تجعلها تتحكم في علاقاتك، أو أعصابك، أو إنسانيتك.
فالرياضة تبقى رياضة، أما الحياة فهي أكبر بكثير من نتيجة مباراة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك